عشنا في زمن كان الأجداد والآباء يتباهون بما أنجزوه في حياتهم، وعلى رأس ذلك طبعًا علاقاتهم الوثيقة مع أهلهم وأصدقائهم ومعارفهم وأهل أحيائهم في مدنهم وقراهم، وكانوا يشعرون بالفرح الغامر عندما ينجزون شيئًا يفرح به الآخرون، ويقدمونه لهم بطيب خاطر ونفس رضية، ولا يهم كثر ذلك الصنيع أم كان متواضعًا، لكنهم أدخلوا السرور إلى نفوسهم وأصبحوا راضين بما قسمه الله تعالى لهم، واهتدى الآخرون لبلوغه بنفس طيبة وبجهد قد يكون شاقًا وقد يكون سهلًا، ولكن النتيجة هي المعيار، في طبيعتنا كبشر ننشد الخير لنا ولمن نعول ولمن نرتبط بهم بعلاقات متنوعة، ونحرص عليها كحرصنا على أي شيء جميل يدخل السرور إلى النفوس.

تطورت الحياة وأصبحنا في حاجة أكثر لأهلنا وأصدقائنا وأبناء وطننا والحمد لله تطور العلم وتطورت مناهج التعليم، وتنوعت الاختصاصات ومن يوم انتقلنا من المدرسة الإعدادية وأصبحنا في المرحلة الثانوية وكان علينا وقتها ان نختار بين العلمي أو الأدبي أو التجاري أو الصناعي، كنا أمام امتحان صعب في اختيار التوجه الذي نطلبه ونتحمل نحن تبعة ما نختاره.

لم يكن الأهل إلا من رحم ربي يدركون أو يعرفون أو يستشارون فيما نختاره من تخصص، وكان علينا أن نتحمل تبعات ما بلغنا من علم ومعرفة ودراسة وتجارب في الحياة متنوعة لازال التحدي ماثلًا أمامنا، ماذا نختار في حياتنا وما هم الأصحاب الذين نلجأ إليهم إذا ما أدلهمت بنا الخطوب ويظل السؤال حائرًا في ذاتنا ونحن أمام اختبار صعب في اختيار ما يناسب مستقبلنا ومستقبل أبنائنا وأحفادنا، فالحياة تعقدت وباتت الأمور فيها ليست سهلة وميسورة، فما يجري في العالم من حولنا يواجهنا يوميًا بالتحدي ويفرض علينا قيم جديدة تبنتها شعوب وأمم ساروا عليها ويحاولون أن يجبرونا على أن نسير على خطاهم ونقلد طرق معيشتهم وبحثهم عن الرزق فبات علينا أن نختار ما بين شخصيتنا وقيمنا وما نؤمن به، وبين تلك القيم العالمية والتي يعتقد معتنقوها إنها هي الأصح وعلينا اتباعها والسير عليها.

ولكننا والحمد لله أصحاب قيم ومعتقدات وأصحاب تجارب متراكمة فرضها قربنا من بعضنا بعضًا واطلاعنا على ما قام به الأجداد والآباء من تواصل خلق بينهم عناصر المودة والمعروف وتقديم كل ما يسهل أمورهم ويربط وسائل التفاهم بينهم حتى وإن اختلفت بلدانهم... لقد حرص السابقون على زيارات بعضهم بعضًا حتى وإن بعدت أوطانهم، فالأهل متواجدون في كل بقاع أوطاننا العربية إن لم تكن القربى تربطهم فإن ما يربطهم من عقيدة وزيارات متبادلة في مناسبات عدة خلقت الكثير من الصلات التي باتوا متعارفين عليها ويقدرونها...

في ذلك الزمن الذي تواصلوا فيه لم يعرفوا إلا بيوت بعضهم بعضًا للسكن وقضاء أيام معدودة إلى جوار مستضيفيهم، يتقاسمون اللقمة ويبثون مشاعرهم إلى بعضهم بعضًا في محاولة للمساعدة والتكاتف الإنساني فكانوا يقولون: «وعلى نياتكم ترزقون».

كان التخطيط لزيارة الأهل في الغربة يتم سنويًا في المناسبات العادية ولكن إذا اقتضى الواجب تلبية الدعوة لأسباب وجيه فيتم ذلك طبقًا لمقتضيات الحال.

طبعًا نحن لا نستطيع أن نعيد عقارب ساعة الزمن إلى الوراء، لكننا مطالبون بالإستفادة من كل القيم الإنسانية الراقية والتمثل بها والاهتداء بمعطياتها وبما يحفظ علينا حياتنا ويديم الاستقرار والأمن في ربوعنا.

مع تطور الحياة تزداد الحاجة إلى السير بخطى سريعة لكنها ثابتة وراسخة وعلينا أن ندفع بأبنائنا واحفادنا للسير في طرق المستقبل المتاحة مع الإيمان الراسخ بأن لهم جذورًا لا يجب أن يتخلوا عنها ويغضوا النظر عما تحمله من مثل وقيم فيها الخير للبشرية جمعاء... نعم التحديات كثيرة والتغيرات لا تنتظر المتخاذلين، وأخذ الدروس والعبر تتطلب منا أن نكون على دراية وعلم ونتعاون مع غيرنا من أجل خير الجميع ومن أجل أن نعيش بأمن وأمان، ومن هنا فالتكاتف والتآزر والبذل والعطاء من أهم وألزم الأمور التي علينا أتباعها لخير الجميع ولكي نعيش في أمن وأمان ونحقق كل ما تنشده الأوطان من خير لشعوبها إن كان في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو في الأمور البسيطة التي يتميز فيها شعب عن سواه. «فالخير فيما اختاره الله سبحانه وتعالى».