هل فكرت المناهج العربية في الانفتاح على الثقافات العالمية، في الثانوية؟ الأفضل أن تشرع في ذلك منذ الإعدادية، لكن الأفضل هو أن يبدأ الأمر قبل ذلك، ولو خارج المدرسة، في مطالعات ترعاها الأسرة. يقال في الإعادة إفادة، دار النشر الفرنسية، جاليمار، تخيّـرت من الأدباء المترجمين نخبة عهدت إليها بإعداد نسخ موجزة لأعمال أدبية خالدة من الشرق وأوروبا الشرقية، للأطفال الناطقين بالفرنسية. ما أروع أن تكون لأطفال العرب مثيلاتها، وأن تضاف إلى المناهج أو أن تكون في مناهج موازية. ساعة في الأسبوع مثلاً، سيكون الحاصل في السنة الدراسية لا يقل عن ثلاثين ساعة.
الدواعي كثيرة، والبراهين وفيرة، منها أن اليابان منذ أمد أخذت تدرّس الحضارات والمعلومات العامة عن الدول من منطلق تنموي، فذلك يساعد الطلاب حين يتخرجون ويدخلون سوق العمل، على النجاح في العلاقات الاقتصادية والتجارية. مهمّ أن يعرف الشخص خلفيات الطرف المقابل وطريقة تفكيره، حتى يتقن فن مدّ الجسور وسبل تجنب المزالق والمآزق. خطأ في التعبير يمكن أن ينسف صفقة حيوية مهمة.
في ميراثنا صور معبرة بليغة في مقدمتها القرآن الكريم: «وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا» (الحجرات 13). هذا بالضبط ما عملت به اليابان، وهذا بالضبط ما دعا إليه الفيلسوف الصوفي الهندي جِدّو كريشنامورتي الذي ظل يدعو إلى تدريس الحضارات في المدارس لتتربى لدى النشء الجديد نظرة أممية منفتحة، متسامحة. لا ننسَ أن هذا المحور الفكري موجود في صميم المقولة: «من تعلم لغة قوم أمِن شرهم». عكس عبارة «أمن شرهم» هو: حالفه الحظ في توطيد الأواصر معهم، ونجح في تحقيق حسن التعايش والتفاهم والتفاوض، وأسدى خدمة جليلة إلى العلاقات الدولية السويّة.
ثم إن الروابط الاقتصادية والتجارية هي روابط مادية تحتاج إلى الأبعاد الروحية والجمالية والمعنوية. عندما ينشأ الطفل في بيت فيه عدد كبير من الأدوات والأجهزة الصينية، سينمو وفي ذهنه أن بلد التنين ليس سوى مصانع تسيّـرها وتعمل فيها الروبوتات. لكن حين يقرأ الأدب الصيني شعراً وقصة ويكتشف روائع فنونهم التشكيلية وموسيقاهم، سيضيف قيماً معنوية ثقافية جمالية إلى المشاهد المادية، لتكتمل لديه صورة التنمية الشاملة.
لزوم ما يلزم: النتيجة التربوية: ضرورة التفكير في زرع الأممية الثقافية منذ الطفولة.














التعليقات