لو لم يخرج سوى أفلام «الحرام» و«دعاء الكروان» و«في بيتنا رجل» لكفاه ذلك فخرا وخلودا في تاريخ السينما المصرية، لكن المخرج الكبير بركات صنع أكثر من ذلك، وقدم ما لم يقدمه سواه من أفلام تميزت بميزات خاصة حققت له الجوائز والتكريمات. وهذا لا يعني أنه لم يقدم أفلامًا قليلة الجودة، فقد اضطر لذلك مجبرًا لأن الإخراج صنعته الوحيدة ومصدر قوته بحسب قوله. غير أنه في المحصلة النهائية فاق عدد أعماله العظيمة على اعماله المتواضعة القليلة. ولهذا لقب بألقاب عدة منها «شيخ المخرجين» و«البطريرك السينمائي» و«عندليب السينما المصرية» و«أبو السينما الرومانسية» و«شاعر الشاشة الفضية» و«سيد الواقعية الشعرية».

ولد هنري أنطون عبدالله بركات بحي شبرا القاهري سنة 1914 لأب طبيب من أصول شامية كاثوليكية، ولأم مصرية قبطية، ونشأ ودرس بها حتى أنهى المرحلة الجامعية وتخرج حاملاً ليسانس الحقوق. بعدها سافر إلى فرنسا التي شاهد فيها أكبر عدد من الأفلام العالمية وزار الكثير من ستوديوهات صناعة الفيلم الفرنسي، ليعود إلى مصر ويلتحق بكلية الفنون الفرنسية بالمنيرة التي تخرج منها عام 1935، ليتجه فورًا للعمل الفني الذي بدأه بمشاركة أخيه عبدالله بركات في انتاج فيلم «السيد عنتر» من اخراج استيفان روستي.
بعد أن تدرب على يد المخرج أحمد بدرخان وعمل مساعد مخرج لأحمد جلال وحسين فوزي وأحمد كامل مرسي، قرر سنة 1941 أن يخوض مغامرة الإخراج بنفسه. وصادف وقتذاك أن المنتجة آسيا كانت تبحث عن مخرج لأفلامها كبديل لأحمد جلال الذي اقترن بإبنة أختها «ماري كويني» وأسس معها شركة إنتاج منافسة، فوقع اختيار آسيا عليه ليخرج فيلمه الأول وهو فيلم «الشريد»، المقتبس قصته عن رواية للروسي لأنطون تشيخوف، من بطولة آسيا وزوزو نبيل وحسين رياض وزكي رستم. ومذاك لم يتوقف بركات عن العمل كمخرج وسيناريست ومنتج أيضا، مقدمًا أعمالاً رومانسية وغنائية واجتماعية وكوميدية وسياسية متنوعة، اعتمد بعضها على روايات لأدباء كبار من أمثال يوسف إدريس (الحرام)، وطه حسين (دعاء الكروان، الحب الضائع)، واحسان عبدالقدوس (في بيتنا رجل)، ولطيفة الزيات (الباب المفتوح). وظل كذلك حتى اعتزل العمل وأنهى مشواره عام 1993 بفيلم «تحقيق مع مواطنة» بطولة سهير رمزي وفاروق الفيشاوي، ليتوفى في 27 مايو 1997.
المؤسف أن هذا الرجل الذي أحب مصر وأخلص لها وقدم لها الكثير في عالم الفن تعرض في شيخوخته لحملة اعلامية ظالمة قادها بعض العنصريين والمتطرفين الذين غمزوا من قناة أصله غير المصري وديانته المسيحية، وراحوا يلقبونه بـ «الخواجة هنري»، الأمر الذي آلمه وأبكاه ونغص عليه أيامه الأخيرة على الرغم من تسابق بعض النقاد للرد وانصافه،علما بأن أقوى رد جاء بعد وفاته حينما أقام مهرجان القاهرة السينمائي في دورته عام 2014 حفلاً خاصًا لتكريمه. هو الذي كان قد نال جائزة الدولة التقديرية في الفنون من المجلس الأعلى للثقافة عام 1995، ووسام مهرجان الإسكندرية السينمائي عام 1991، ووسام مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عام 1994، وجائزة الإخراج من وزارة الثقافة عام 1978 عن فيلمه «أفواه وأرانب»، كما فاز بثلاث جوائز من معهد الفيلم الكاثوليكي في الأعوام 1958 و1959 و1961.
وما بين فيلمه الأول وفيلمه الأخير قدم نحو 100 فيلم، من بينها أفلام تُعد من علامات السينما المصرية الفارقة ومن كلاسيكياتها الشهيرة. وقد شارك في أفلامه معظم النجوم الكبار المعروفين، إذ قدم 10 أفلام لفريد الأطرش (الحب الكبير، نغم في حياتي، يوم بلا غد، شاطيء الحب، ماليش غيرك، قصة حبي، رسالة غرام، ما تقولش لحد،عفريت هانم، حبيب العمر)، و5 أفلام لشادية (غلطة أب، أنا الحب، ارحم حبي، وادي الذكريات، الشك يا حبيبي)، و3 أفلام لعبدالحليم حافظ،(أيام وليالي، موعد غرام، بنات اليوم)، ومثلها لليلى مراد(من القلب للقلب، ورد الغرام، شاطيء الغرام) وفيلمين لكل من صباح (هذا جناه أبي، القلب له واحد)، ومحمد فوزي (ورد الغرام، دايما معاك)، وهدى ىسلطان (حدث ذات ليلة، 3 نساء)، والمطربة اللبنانية فيروز(بيت الحارس، سفر برلك)، ومحرم فؤاد (حسن ونعيمة، سلاسل من حرير). غير أن فاتن حمامة كان لها نصيب الأسد من أعمال بركات، إذ قدم لها 18 فيلما (حبيبتي/74، أفواه وأرانب/77، الباب المفتوح/63، دعاء الكروان/59، ليلة القبض على فاطمة/84، ولاعزاء للسيدات/79، الخيط الرفيع/71، الحب الكبير/68، الحرام/65، شيء في حياتي/66، حتى نلتقي/58، إرحم دموعي/54، دايما معاك/54، لحن الخلود/52، العقاب/48، موعد غرام/56، الهانم/47).
ومما لوحظ في أعمال بركات أنها انتصرت دوما للمرأة وحقوقها ضد ظلم المجتمع، وأن بعضها غاص في أعماق الريف المصري ومشاكله، والبعض الآخر أبكى المشاهد (فيلم سجى الليل مثلاً من تأليفه واخراجه عام 1948 وبطولة ليلى فوزي وعماد حمدي وكمال الشناوي).
شارك بركات بأعماله في مهرجانات عالمية عديدة. حيث ترشح بفيلم «حسن ونعيمة» (بطولة سعاد حسني ومحرم فؤاد) وفيلم «دعاء الكروان» (بطولة فاتن حمامة وأحمد مظهر) في مهرجان برلين الدولي، وبفيلم «الحرام» (بطولة فاتن حمامة وعبدالله غيث) في مهرجان كان سنة 1965، وبفيلم «الباب المفتوح» (بطولة فاتن حمامة وصالح سليم) في مهرجان جاكرتا السينمائي إذ نال جائزة أفضل فيلم، وشارك أيضا بالفيلم ذاته في مهرجان نيوديلهي السينمائي، ونال جائزة الذكر الخاص لمهرجان فالنسيا السينمائي الدولي عام 1984 عن فيلم «ليلة القبض على فاطمة» (بطولة فاتن حمامة وشكري سرحان) إلى ذلك هو أول مخرج عربي يترشح لجائزة الأوسكار من خلال فيلم دعاء الكروان.
وأخيرًا فإن بركات، الذي تزوج من الاسكندرية روزيت دهان وأنجب منها ابنتيه رندة وجيهان، عُدّ من أغنى المخرجين المصريين بثروة قاربت 1.5 مليون دولار حين وفاته.















التعليقات