قلت للقلم: كيف ترى ما يحدث في أفغانستان والعراق؟ قال: وما الذي جرى فيهما منذ عقدين غير الغرائب؟ لكنّ في عجائبهما اجتهادات جديرة بإلقاء نظرة في وقت الفراغ. قلت: الحكمة ضالّة المؤمن، حتى حين تكون ضالّة. قال: في كلامك مسحة من السخرية، ولكنني سأبرهن لك على أن الإخوة الأفغان لا يمشون على عوج في تنظيرهم الاقتصادي. أهل الاجتهاد عندهم يطبّقون مبدأ لطفي بوشناق: «خذوا عيني شوفوا بيها». أسألك بجدٍّ وأجبني بصراحة: ماذا تفعل أنت حين ينخفض منسوب دخلك؟ قلت: أقلّص النفقات، وأقلّل المخارج. قال: هو ذا بالضبط ما اهتدى إليه النبوغ المالي والاقتصادي الأفغاني. شطروا ميزانية التعليم بمنع الفتيات من الدراسة. ألا ترى هذا توفيراً وفيراً؟ ثمة أشياء كثيرة تخلّص الدولة من الهدر في زمن شدّ صخور تورا بورا إلى البطون. مثلاً: ما حاجة المرأة الأمّية، سجينة المحبسين، النظام والدار، إلى مستحضرات التجميل والعطور وخزائن الملابس والسيارة..؟ ثم إن الحكومة جففت كل منابع الترفيه، فحتى فتح المرء فاه يعدّ لهواً ولعباً، إن لم يعدّوه شروعاً في الإخلال بالنظام. لكن، تبقى للمرأة الحرية المطلقة في التنفس على مدار الساعة. لكنني لم أفهم الربط بين أفغانستان والعراق، أوضح.


قلت: مجرد هواجس ووساوس، لعلها هلاوس. من تلدغه الأفعى، يحسب الحبل حيّة تسعى. هل تذكر سنة 2001 في أفغانستان، وكيف أفضت بسحر ساحر في 2003 إلى تدمير العراق تدميراً شاملاً بفرية أسلحة الدمار الشامل؟ مجرد تطيّر أصابني، فالآلة الإعلامية الجبّارة تشتغل على الأفغان ليل نهار، أمّا اليد الأخرى ليكتمل التصفيق، فهي الضجة الكبرى في الصحافة الأمريكية وغيرها، عن التعذيب الفظيع، الذي تمارسه لجنة أمنية في سجن «أبو رغيف» على نحو ما شهده سجن «أبو غريب»، من ملاحم لاحمة، غير راحمة.

من يدرك في لحظات استذكار العضّات السابقة بأن ما يدور في خفايا أصحاب النوايا، ليس رسم اسكتشات لإعادة الكرّة في أفغانستان وبغداد؟ لو كانت نيّة نشر الديمقراطية صافية ما كان الأفغان والعراقيون اليوم أسوأ حالاً ألف مرة ممّا كانوا عليه في مطلع الألفية الثالثة. اختلج في ذهني واعتلج أن المهمّة لم تنجز، فلحادثات الليالي تتمّة. قال: لا تكن سيّئ الظن، دع للتحفظ قطرة من بحر، فالممسكون بخناق العالم ينتظرون التسوية الكاملة بالأرض، ليفوا بوعود إعادة الإعمار،عندئذ يقولون: نعمرها لمن، وهي ترانا كما نراها قفارا؟


لزوم ما يلزم: النتيجة الغرائبية: الديمقراطية في أفغانستان والعراق أضغاث يقظة.