رغم الاستعدادات الفرنسية - الجزائرية التي تبذل ظاهرياً لإنجاح زيارة الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون للعاصمة الفرنسية، والمرتقبة في النصف الثاني من شهر حزيران (يونيو) المقبل، وذلك بدعوة رسمية من نظيره الفرنسي الرئيس إيمانويل ماكرون، فإن العلاقات الجزائرية - الفرنسية لا تزال حتى الآن أسيرة المد والجزر حيث شهدت في الأسبوع الماضي وخلال هذا الأسبوع ثلاث حالات سلبية تعتبرها الجزائر أنها نتيجة لإصرار فرنسا المبطن على المضي قدماً في تعطيل تسوية ملف "الذاكرة التاريخية"، وعرقلة الانفراج المنشود في العلاقات الثنائية بين البلدين في مختلف المجالات.

تتمثل الحالة الأولى في تهديد بنجامين ستورا، المؤرخ الفرنسي وعضو اللجنة الجزائرية الفرنسية المكلفة إيجاد الحلول للقضايا العالقة في ملف ذاكرة الحرب الجزائرية - الفرنسية، بالانسحاب من الفريق الذي يمثل فرنسا في هذه اللجنة، ويعني ذلك أن كل الوعود بالانتهاء من صداع ملف "ذاكرة الحرب" سوف تتبخر أو تجمد حتى إشعار آخر. والجدير بالذكر أن بنجامين ستورا قد أعلن عن موقفه هذا في مقابلته مع الإذاعة الفرنسية الدولية RFI الأسبوع الماضي حيث قال فيها بما معناه أن "عدم توافر إمكانات العمل للمؤرخين الفرنسيين الأعضاء في هذه اللجنة هي التي يمكن أن تدفعه إلى الانسحاب".

أما الحالة الثانية التي تعكر أجواء العلاقات الجزائرية - الفرنسية، فتتلخص في المضايقات التي قام بها اليمين الفرنسي المتطرف مؤخراً ضد أبناء الجالية الجزائرية المقيمين في فرنسا، وفي هذا الخصوص تداولت وسائل الإعلام الجزائرية، ومنها جريدة "الشروق اليومي"، خبراً مفاده أن بعض المدارس الفرنسية قد تلقت "تعليمات كان الهدف منها ضبط قائمة بأسماء التلامذة المتغيبين خلال عيد الفطر الأخير، كمؤشر على أنهم مسلمون، وهو الأمر الذي تم تسجيله في كل من "Hérault " و"Haute-Garonne"، والتعليمة الأولى كانت بتاريخ 26 نيسان (أبريل) 2023، ومصدرها محافظة الشرطة في تولوز بالجنوب الفرنسي" ، و "كان مصدر هذا الطلب هو مصالح الاستعلامات (المخابرات)، وجاء هذا الإجراء بعد نشر مقال في صحيفة Figaro Le اليمينية، في 24 نيسان (أبريل) الماضي، وتحدث عن زيادة معدل تغيب الطلاب خلال عطلة عيد الفطر المبارك".

ووفقاً لعدد من التعليقات الجزائرية التي نشرتها بعض الصحف الجزائرية المقربة من مراكز صنع القرار السياسي الجزائري الرسمي، فإن ممارسة الشرطة الفرنسية لهذا النوع من الرقابة على التلامذة الجزائريين المغتربين الذين يتابعون دراستهم في المدارس الفرنسية تمثل سابقة خطيرة لأن غرضها واضح وهو إلصاق تهمة الأصولية الاسلامية المتطرفة بهؤلاء التلامذة وبغيرهم من أبناء العائلات الجزائرية المهاجرة المقيمين بفرنسا.

وتبرز التحليلات المنشورة في بعض وسائل الإعلام الجزائرية أيضاً، أن مثل هذه الممارسات اليمينية الفرنسية لا تصدر عن فراغ وإنما لها علاقة وطيدة بالاشاعات التي تصدر عن مراكز رسمية فرنسية، منها إشاعات ما فتئ يروج لها وزير الداخلية الفرنسي الحالي جيرالد دارمانان الذي صرّح مراراً بوجود ترابط بين "الاسلام السني" وبين الارهاب.

إلى جانب الحالتين المذكورتين يمكن إضافة حالة ثالثة وتتمثل في الربط الذي تقوم به السلطات الجزائرية الرسمية على نحو غير مباشر في الغالب، وتكرسه التحليلات الاعلامية التي تنشرها من حين لآخر بعض وسائل الإعلام الجزائرية، بين تصريحات وزير الداخلية الفرنسي ضد إسلام التلامذة الجزائريين المقيمين بفرنسا ومحاولات تعطيل ملف "الذاكرة" من جهة وبين اللائحة الصادرة مؤخراً عن البرلمان الأوروبي والتي تتهم السلطات الجزائرية بتقييد حرية التعبير في الجزائر.

في هذا السياق بالذات فقد ريط الخبير القانوني الجزائري، سعيد مقدم، في الحوار الذي أجرته معه مؤخراً صحيفة "الشروق اليومي" الجزائرية التي تمول بواسطة الإشهار التابع لوزارة الاتصال الجزائرية، هذا الهجوم اليميني الفرنسي على الجزائر بالإعلان "عن زيارة الرئيس تبون إلى فرنسا"، وبمشروع "انظمام الجزائر إلى تكتل "بريكس" المنافس لتكتلات غربية كالاتحاد الأوروبي"، علماً أن الأجهزة الجزائرية ترى في هذا الخصوص أن لفرنسا اليد الطويلة في تحريك مواقف وسياسات هذا الاتحاد ضد الجزائر في الخفاء.

في خضم هذه العودة لملف الذاكرة التاريخية الفرنسية - الجزائرية إلى واجهة الأحداث فقد صار واضحاً أن إعلان وزير خارجية فرنسا السابق، جان إيف لودريان، أن بلاده ترغب في أن تعمل مع الجزائر على فتح ملف ميراث الاستعمار الفرنسي باعتبار أنه أصبح شيئاً من الماضي المنسي، ويبدو أيضاً تأكيد الرئيس ماكرون على ضرورة التوصّل إلى توافق بين الجزائر وفرنسا من أجل التخلّص مما اعتبره نزاع الذاكرة الذي يشوّش شكلياً على حاضر العلاقات الثنائية بين البلدين.

ولكن بعض المراقبين المهتمين بتاريخ حركة التحرر الجزائري وبالعلاقات الجزائرية - الفرنسية يتساءلون: هل الجانب الفرنسي هو فقط من يحاول تعطيل فتح إضبارة ملف "ذاكرة الحرب" الجزائرية – الفرنسية؟ أم أن هناك في الجزائر نفسها من لا يريد أيضاً فتح هذا الملف الذي ستنجم عنه، ربما، مفاجآت يمكن أن تسفر عن نتائج ليست في صالح الاستقرار السياسي في الجزائر؟ ويُقصد بذلك ما تضمنته اتفاقات إيفيان من ملابسات تخص عملية إجراء بعض التجارب النووية خلال العهد الذي تواجد فيه الرئيس الراحل هواري بومدين ضمن الفريق الحاكم، وكذلك ملف تصفية مناضلين جزائريين في حادثة ملوزة المؤلمة من طرف إخوانهم في النضال وذلك جراء الخلافات العقائدية المعروفة التي نشبت بينهم خصوصاً الخلاف الشهير بين جبهة التحرير الوطني وبين شيوعيين جزائريين متهمين بأنهم كانوا مجرد أدوات بين أيدي الحزب الشيوعي الفرنسي إبان حركة التحرر الوطني.