الموت واحد، ويكون هذا الموت باعثاً على الحزن أكبر حين يأتي في صورة مؤلمة ومفاجئة، كما حدث مع الضحايا الخمسة الذين كانوا في الغوّاصة تيتان «التي تُشغلها شركة أوشن جيت إكسبيديشنز الأمريكية والمصممة لأغراض الاستطلاع السياحي، وهم: مؤسس الشركة ستوكتون راش الذي كان يقود الغواصة، والملياردير البريطاني هيميش هاردينج، ورجل الأعمال البريطاني من أصل باكستاني شاه زاده داوود وابنه سليمان ذو التسعة عشر عاماً، والمستكشف الفرنسي بول هنري نارجوليه، وقد دفع كل واحد منهم مبلغ 250 ألف دولار؛ لمشاهدة حطام سفينة «تايتانيك» التي غرقت في واحدة من أكبر الكوارث البحرية في القرن العشرين، ولعلّ التسميات السابقة لمعظمهم من نوع: رجل الأعمال، الملياردير.. إلخ، والمبلغ الذي دفعه كل واحد منهم لقاء الرحلة تظهر مقادير ما يملكون من ثروة، يسرت لهم القيام بها، من باب الفضول السياحي الذي انتهى، وللأسف، تلك النهاية الفاجعة.

الموت واحد ويمكن أن يكون فاجعاً، سواء كان المتوفى فقيراً أو غنيّاً، ومع ذلك لاحظ المراقبون حجم اهتمام وسائل الإعلام، وحتى الحكومات المختلفة، بحادثة الغواصة منذ لحظة الإعلان عن اختفائها، حتى الإعلان عن الحصول على حطامها في أعماق المحيط؛ حيث صار العالم مشغولاً خلال أيام بالأمر، وبالمتبقي من الوقت الذي سينفد بعده الأكسجين الذي زوّدت به الغواصة، وصارت وسائل الإعلام تحصي الوقت لا بالأيام وإنما بالساعات والدقائق.

إلى ذلك أُطلقت عملية متعددة الجنسيات للبحث عن الطاقم فوق الماء وتحته، واستنفرت عدة دول تقنياتها المتقدمة في سباق مع الزمن للعثور على الغواصة قبل نفاد الأكسجين، وهو أمر قاد، بصورة تلقائية، ومن باب المقارنة، إلى ضآلة الاهتمام الذي تناله حوادث من تنقلهم القوارب من مهاجرين، حتى أنها أصبحت تعرف ب«قوارب الموت»، وهو اسم على مسمى بالفعل؛ حيث يموت غرقاً آلاف الفقراء كل سنة، وهم يهربون من جحيم الحروب والعوز، بحثاً عن فرص أفضل للعيش، لكنهم يدفعون حياتهم ثمناً في مياه البحار، دون أن ينالوا هدفهم.

قبل أيام فقط من حادثة غرق الغوّاصة غرق قارب يحمل أكثر من 750 مهاجراً على بعد 50 ميلاً بحرياً من بيلوس جنوب اليونان، وقبل أيام أيضاً، قال متحدث باسم عائلات 51 مهاجراً إنها فقدت الاتصال بهم منذ 12 يوماً، بعدما كان يفترض أن يعبروا نحو جزر الكناري الإسبانية في المحيط الأطلسي، وهو خبر ربما لم يسمع به أحد؛ لأنه لم يثرْ اهتمام وسائل الإعلام ولا هيئات الإغاثة ولا الحكومات والمنظمات الدولية، وعلى هذه الكوارث قس الكثير.