ما هي الاستعدادات الثقافية العربية للنظام العالمي الجديد؟ ليس طيّباً أن تقول: ومتى كانت الثقافة العربية تتدخّل في ما يعنيها؟ الغاية من إثارة هذا الموضوع، هي إيقاظ المشتغلين بالموسيقى على حقائق بينهم وبينها حجاب. هم يظنّون أنهم حين يتوقفون عن الحركة والفعل والإبداع الذي لا يعرف الكلل، فإن الكوكب يكفّ عن الدوران.
مستقبل الموسيقى العارفة، سيكون الصينيّون والأفارقة من أقطابه. للأسف، لا يُرى في كرة الاستشراف الفنيّ نصيبٌ للموسيقى العربية في المدى المنظور. الأسباب منطقية. في الصين، جمهورية الكونغو الديمقراطية، نيجيريا، غانا، أدرك الموسيقيون أنه لا غنى عن الموسيقى الجادّة في البناء الفنّيّ الذي يرفع مستوى الذوق العام ويشق طريقاً نحو العالمية.
من العجب أن يكون مصير الموسيقى العربية بأيدي مطربين ومطربات، جلّهم يردّد كلمات ليست من الشعر في شيء، وألحاناً محدودة مقاميّاً وأوركستراليّاً. ثم إن الأغنية، وهي الشكل الأساسي لدينا، لا تسمن ولا تغني من جوع ذوقي. الجيل الناشئ يقول لكم بأعلى صوت: أين موسيقاي أنا؟ أين المبدعون لي؟ غداً، سيتذكّر الموسيقي العربي حين يرى الموسيقى الأفريقية الجادّة العالمة، محلّقة كموسيقى كلاسيكية بنكهات إفريقية، قول الطغرائي: «تقدّمتني أناسٌ كان شوطهُمُ.. وراء خطوي إذا أمشي على مَهَلِ».
قال القلم مراراً، إن الأخذ بالعلوم الموسيقولوجية، ونظريات الموسيقى السيمفونية وتقنيات تأليفها وعزفها، لا يعني الاستلاب وتضييع الهوية في التغريب. الموسيقى فنّ ساحرُ السلوك، لا ساحر الأثر والتأثير فحسب. تأمّل كيف انتشر الجاز في كل القارات، من بذور ارتجاليّة ضئيلة حملها المستعبدون الأفارقة إلى القارة الجديدة. انظر عود زرياب كيف نشر القيثارة في العالم بكامله. أليس عجيباً أن يصير السنطور الآرامي العراقي جَدّاً لكل آلات البيانو في الأرض وملك كل آلات الكوكب، غريباً في ديارنا؟ السنطور تراجع بل توارى في موطنه، وتألّق في إيران والهند، أمّا البيانو فالموسيقى الكلاسيكية تتداعى من دونه. البيانو مسخه الإيرانيون بثلاثة أرباع التون (ربع التون استعمال خاطئ شائع)، وجعلوه يصاحب المواويل.
عجباً، مالي في إفريقيا ولكن الإيرانيين سبقوا العرب إلى إقامة أواصر فنيّة مع موسيقييها. عازف الآلتين التقليديتين، سه تار وكمانجه، الإيراني كيهان كَلْهُر قدّم عرضاً مع المالي الشهير عازف آلة الكورا الوترية (صوتها كالقانون) توماني دياباتي، (ربّما لشباهة اسمه بالتومان الإيراني). لكن المغامرة الإبداعية الإفريقية الرائعة، في إيجاد موسيقى كلاسيكية جادّة عارفة، بنكهات موسيقى تقليدية إفريقية، ستكون لها أصوات وأصداء مستقبلاً. إفريقيا تهبّ من رقدة العدم، يجودها غيث بريكس الموسّعة، وليس أمامها سوى التجاوب مع إيقاع نظام عالمي جديد صهلت خيوله.
لزوم ما يلزم: النتيجة الاستنتاجية: على بعد المسافة، أدرك الصينيون والأفارقة ضرورة الانطلاق من الموسيقى الجادّة. موسيقانا سيطول انتظارها.














التعليقات