إذا كنت من عشاق أفلام الأبيض والأسود في الخمسينات، فلا بد أنك رأيت اسمه على الشاشة أو على أفيشات عدد من تلك الأفلام كمخرج لها. إنه المخرج المصري جمال مدكور، الذي نسيه الناس، على الرغم أنه أخرج للسينما المصرية عددًا من كلاسيكياتها الخالدة، وشارك في كتابة سيناريوهاتها وحواراتها، بل وقام بعملية المونتاج للعديد من الأفلام، وقدّم علاوة على ذلك الكثير من الأفلام التسجيلية.

ولد مدكور بالقاهرة في نوفمبر 1908 ابنًا للتاجر عبدالخالق باشا مدكور، أحد بشوات مصر في القرن الماضي. ونظرًا لتعلّقه بالسينما، درسها عن طريق المراسلة بالكلية السينمائية العالمية في باريس عام 1933، وفيها أيضًا درس الإخراج السينمائي. أما حياته المهنية فبدأها بالعمل في منتصف الثلاثينات كمونتير باستوديو مصر، فقام بعملية المونتاج لعدد من الأفلام كانت كلها من إخراج أحمد بدرخان مثل: شيء من لا شيء/‏1938، دنانير/‏1939، حياة الظلام/‏1940، انتصار الشباب/‏1941.

وفي أثناء ذلك وحتى عقد الخمسينات، قام بإخراج عدد من الأفلام التسجيلية، منها شريط إخباري عن مصر تم عرضه في باريس، وفيلم عن «دير سانت كاترين» والآثار المسيحية في مصر عام 1952 حصد جائزة الفيلم الدولي في الهند، وستة أفلام تسجيلية عن تاريخ الآثار الإسلامية من انتاج المؤتمر الإسلامي، وأفلام تناولت موضوعات سياسية كاتفاقية الجلاء وقضية العرب من انتاج القوات المسلحة، علاوة على أول فيلم في العالم عن طقوس ومناسك الحج وقد تم عرضه في مهرجان فينيسيا لعام 1937. كما أخرج أفلاما تسجيلية توعوية استهدفت المزارعين مثل فيلم «نترات الشيلي» من انتاج بنك التسليف الزراعي عام 1937.

بعد بضع سنوات من عمله كمونتير، عمل كمساعد مخرج في فيلم نشيد الأمل/‏1937 لأحمد بدرخان، وفيلم وداد/‏1936 للمخرج الألماني فريتز كرامب. كان هذا قبل أن يتولى بنفسه إخراج الأفلام الطويلة بدءًا من عام 1942 حينما قدّم أول أعماله وهو فيلم «أخيرًا تزوجت» من بطولة سليمان نجيب وميمي شكيب وتحية كاريوكا وفؤاد شفيق وعبدالوارث عسر وليلى فوزي. وهكذا توالت أعماله في عقدي الأربعينات والخمسينات فقدم 12 فيلمًا آخر حتى عام 1954، وهو العام الذي توقف فيه عن الإخراج ليبدأ رحلة الإنتاج السينمائي التي أنتج خلالها فيلمين هما: الشحات/‏1973 (إخراج حسام الدين مصطفى وتمثيل محمود مرسي ونيللي وأحمد مظهر وشويكار)، والشوارع الخلفية/‏1974 (إخراج كمال عطية وتمثيل ماجدة الخطيب ونور الشريف ومحمود المليجي وسناء جميل). بعدها، وحتى تاريخ وفاته في 4 مارس 1982، عمل ناقدًا سينمائيًا لإحدى المجلات الأسبوعية الفنية.

ومما يذكر عنه أنه هو من اكتشف النجمة الجميلة ليلى فوزي ورشحها للعمل مع المخرج نيازي مصطفى ضمن طاقم فيلم مصنع الزوجات عام 1941. وملخص القصة أن مدكور كان يزور والده في متجره المجاور لمتجر صديقه والد ليلى فوزي، فشاهد ليلى وانبهر بجمالها الأخاذ وقرر أن يقنعها بالعمل في السينما.

ومما يروى عنه أيضًا، أنه حينما أوكل إليه عبدالوهاب إخراج فيلم من إنتاجه وهو فيلم الحب الأول عام 1945 من بطولة جلال حرب ورجاء عبده، كانت سامية جمال من بين المشاركات في الفيلم، ورغم أنها لم تكن بدينة إلا أن مدكور طلب منها تخفيف وزنها، فامتنعت عن تناول الطعام لعدّة أيام حتى بدت شاحبة وشبيهة بفتاة مريضة، فما أن رآها مدكور على تلك الحالة حتى صرخ في وجهها قائلاً: «أنت تشبهين واحدة بتطلع الروح» وأمرها أن تذهب وتأكل كي يزيد وزنها وتصبح في منظر مقبول.

ولمدكور فضل على عماد حمدي الذي كان يعمل في بداية حياته المهنية مديرًا للحسابات باستوديو مصر ثم مديرًا للإنتاج فاختاره مدكور للمشاركة في تمثيل مجموعة من أفلامه التسجيلية التوعية الخاصة بالصحة. كان هذا قبل أن يشق حمدي طريقه في السينما ويؤدي البطولة المطلقة في أول أفلامه وهو فيلم السوق السوداء/‏1945. لاحقًا حرص مدكور على اسناد دور البطولة لعماد حمدي في فيلمين من أفلامه هما: سماعة التليفون/‏1951 مع شادية ومحمود المليجي، وآثار على الرمال/‏1954 مع فاتن حمامة وزهرة العلا ومحمد الطوخي.

من بين أعماله المهمة التي لا تنسى عدا ما ذكرناه آنفًا: فيلمه الأكثر شهرة وهو «عائشة» الذي أخرجه وشارك في كتابة القصة والسيناريو والحوار مع الكاتب صالح جودت عام 1953 من بطولة فاتن حمامه وزكي رستم وفؤاد جعفر وزهرة العلا وعبدالعزيز أحمد، ثم فيلم الزهور الفاتنة/‏1952 بطولة فاتن حمامة وحسين رياض ومحمود المليجي وشكري سرحان وتحية كاريوكا، ففيلم أموال اليتامى/‏1952 بطولة فاتن حمامة وامينة رزق ومحمود المليجي، وفيلم أيام شبابي/‏1950 بطولة كمال الشناوي وتحية كاريوكا وشادية ومحمود المليجي، وفيلم بين نارين/‏1945 بطولة راقية إبراهيم وأنور وجدي.