هذا مخرج مصري آخر ممن جمعوا بين الاخراج والتمثيل والتأليف، لكنه يختلف عن بقية زملائه في أشياء كثيرة استحق معه لقب «الفنان الشامل». ولعل سيرته الحافلة بالانجازات والتقلبات والمناصب والتكريمات لهو أكبر دليل على تميزه عن غيره من مخرجي السينما المصرية.
إنه السيد بدير إبن محافظة الشرقية الذي ولد في 11 يناير سنة 1915 بقرية أبو الشقوق/مركز كفر صقر، وحصل على البكالوريا عام 1932 ودرس بكلية الطب البيطري في جامعة القاهرة، لكنه تركها من أجل الفن. بدأ حياته المهنية أمينا لمكتبة قضايا الحكومة بمجلس الدولة، ثم انتقل منها للعمل بقسم الدعاية بوزارة الصحة، ومنه انتقل إلى الإذاعة المصرية فعمل بها كبيرًا للمخرجين، قبل أن يدخل مجال السينما مخرجًا وممثلًا وكاتبًا للسيناريو والحوار حتى أصبح رئيسًا لمؤسسة السينما والمسرح والموسيقى بدرجة وكيل وزارة.
وبدير، الذي وافته المنية في 30 أغسطس من عام 1986 بعد تدهور صحته بمرض السكر وإصابته بالحزن والاكتئاب جراء فقده لإبنه، ارتبط اسمه بالمطربة شريفة فاضل التي أحبها بعد تعارفهما في ستوديوهات التصوير ثم تزوجها وأنجب منها إبنًا استشهد في حرب أكتوبر 1973. وكانت تلك زيجته الثانية من بعد زواجه في مقتبل عمره من إحدى قريباته التي رزق منها بثلاثة أبناء أشهرهم سعيد سيد بدير عالم الفضاء والاقمار الصناعية الذي توفي عام 1989 في حادثة غامضة قيل أنها كانت اغتيالًا على يد رجال الموساد الإسرائيلي. ولهذا فإن سيد بدير يلقب بأبو الشهيدين.
دخل بدير مجال التمثيل السينمائي سنة 1937 من خلال فيلم «تيتاوونج» من اخراج وتأليف وتمثيل أمينة محمد مع حسين صدقي. وفي العام نفسه شارك بالتمثيل في فيلم «الحب الموريستاني» من تأليف واخراج ماريو فولبي، ثم توالى ظهوره في عدد كبير من الأفلام، ففي الفترة ما بين عامي 1938 و 1980 شارك في نحو 63 فيلمًا، كما ظهر في مسرحيتين («الزوج العاشر» و«العبيط» وكلتاهما عرضتا في 1964) ومسلسلين («برج الحظ» و«لا يا ابنتي العزيزة»). غير أن شهرته الحقيقية كممثل تحققت في مطلع الخمسينات بعد قيامه بتقمص دور «عبدالموجود»، الإبن البدين الساذج للعمدة الصعيدي العبيط «عبدالرحيم كبير الرحيمية قبلي» الذي جسد دوره ببراعة الفنان محمد التابعي. حيث ظهر بهذه الشخصية الفكاهية الظريفة في عدد من أفلام الخمسينات لعل أشهرها: «خد الجميل» و«خبز أبيض» في 1951، و«حضرة المحترم» في 1952، و«أبن الذوات» و«المقدر والمكتوب» في 1953، و«بنت بلد» في 1954، و«تار بايت» و«عرايس في مزاد» في 1955. عدا هذا الدور قدم بدير أدوارًا أخرى مثل البواب والمحامي والمأذون والموظف الحكومي والشرطي والمدرس والجد وصاحب الحانة والفران، بل جسد أيضا أدوار الشر كما في فيلم «سمارة» (1956) للمخرج حسن الصيفي والذي ظهر فيه كصبي من صبيان تاجر المخدرات المعلم سلطان.
وفي هذه الفترة من حياته راح إلى جانب التمثيل يكتب قصص الأفلام أو يعد لها السيناريو والحوار. فكتب أفلام خالدة من كلاسيكيات السينما المصرية مثل: «الخمسة جنيه» لحسين حلمي، «حكم القوي» و«كأس العذاب» و«بائعة الخبز» و«قلوبل الناس» و«الملاك الظالم» و«بنات الليل» و«اعترافات زوجة» لحسن الامام، «دايما في قلبي» و«لك يوم يا ظالم» و«الوحش» لصلاح أبوسيف، «حميدو» و«فتوات الحسينية» و«سجين أبوزعبل» و«أبوحديد» لنيازي مصطفى، «جوز الأربعة» و«نهارك سعيد»و «اسماعيل يس في الأسطول» و«عائلة زيزي» لفطين عبدالوهاب، «شاطئ الذكريات» لعزالدين ذوالفقار، «ودعت حبك» ليوسف شاهين، «قتلت زوجتي» لكمال عطية، «غريبة» لأحمد بدرخان، «المعلمة» لحسن رضا، «3 رجال وامرأة» لحلمي حليم، «المليونيرة النشالة» لسيف الدين شوكت، وغيرها. علما بأن آخر فيلم ألفه كان»السلخانة«لأحمد السبعاوي في سنة 1982. وإلى جانب تأليف الأفلام وكتابة سناريوهاتها وحواراتها، قام بدير بتأليف واخراج نحو 3000 من التمثيليات والمسلسلات والبرامج للإذاعة المصرية خلال فترة الستينيات وما بعدها، من تلك التي تعد بحق ثروةً فنيةً كبيرة. ومن أشهر هذه البرامج برنامج «شخصيات تبحث عن مؤلف» الذي كان يتناول في كل حلقة منها مهنة معينة فيسلط عليها الضوء في صورة درامية ويظهر الجوانب التي لا يعلم الناس عنها شيئا.
أما لجهة الإخراج السينمائي فقد دخل بدير ميدانه في عام 1957 باخراج فيلم «ليلة رهيبة» من بطولة زوجته شريفة فاضل وشكري سرحان وعبدالوارث عسر ومحمود المليجي، وبعد ذلك وحتى عام 1974 أخرج 20 فيلما من أهمها: «كهرمان» في 1957، «غلطة حبيبي» و«الزوجة العذراء» في 1958، «عاشت للحب» و«أم رتيبة» في 1959، «عمالقة البحار» و«سكر هانم» و«ثلاث وريثات» في 1960، «نصف عذراء» في 1961، «غصن الزيتون» و«سلوى في مهب الريح» في 1962، «العبيط» في 1966، «حب وخيانة» في 1968، «حسناء المطار» و«5 شارع الحبايب» في 1971، «أرملة ليلة الزفاف» في 1974. إلى ذلك أخرج بدير 12 مسرحية كان أولها «صاحب الجلالة» في عام 1955، وآخرها مسرحية «عائلة سعيدة جدا» في عام 1985، والتي تفاجأ الجمهور بظهوره شخصيًا في نهاية العرض وهو على كرسي متحرك، فكان ذلك هو ظهوره الأخير.
يعد بدير من أكثر مخرجي السينما المصرية الذين تم تكريمهم. فقد حصل على وسام الجمهورية في 1957، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى في 1975، وشهادة تقدير من جمعية كتاب ونقاد السينما في 1976، وجائزة الدولة للجدارة الفنية في 1977، وجائزة جمعية فن السينما المصرية التقديرية في 1980، وشهادة تقدير مع ميدالية طلعت حرب من نقابة المهن السينمائية في 1982، وشهادة تقدير من الإذاعة المصرية لخدماته الجليلة في مجال الإعلام والكلمة المسموعة في 1983، ووسام الاستحقاق من الطبقة الأولى في 1986، وجائزة الدولة التقديرية في الفنون من المجلس الأعلى للثقافة في 1986.















التعليقات