الفقه عمل إنساني، ويعني الفهم والمعرفة الجيدة قال تعالى (قالوا يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول)، وقوله تعالى: (وإنْ من شيء إلا يُسبِّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم). وكلمة فقه مأخوذة من (فقه)، وفي اللغة العربية هو العلم بالشيء وفهمه ومعرفته معرفة جيدة. ومن هنا يظهر أن الفقه ليس هو الدين، قال تعالى (فلولا نفرٌ من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين). إن الفقه هو «العلم بمقتضى الكلام على تأمله»، قال تعالى {لا يكادون يفقهون قولاً}. غير أن كثيراً من الناس يخلط مفهوم الفقه بالدين، ويعتبر أنهما صنوان لا يفترقان، في حين أن الفقه والدين شيئان مختلفان، حيث إن الدين من عند الله، أما الفقه فمفهوم البشر الذي يعكس مدى إدراكهم بالدين. ويأخذ علم الأصول نفس حكم الفقه بأنه عمل بشري قابل للنقض والرد والاختلاف عليه؛ لأن فهم أحكام الشريعة محدود بالقدرات الإنسانية وحواسه وإدراكه والمعرفية المتوفرة في زمنها، لذا يظل قابلاً للخطأ، والصواب أمرٌ نسبي.

ومن المعلوم أن علم أصول الفقه لم يكن موجوداً في عهد الصحابة أو التابعين، وإنما ظهر في بداية القرن الثاني الهجري، مع ظهور الدولة العباسية التي احتاجت إلى أصولية لكي تؤسس لمشروعيتها وتحمي سلطتها من مساس الأفراد، وذلك لتحقيق الغاية الأساسية من وجود الدولة؛ المتمثلة في ضمان حقوق الأفراد وحرياتهم، الأمر الذي يستوجب توفر جهاز إداري ومؤسسات قانونية وتنظيم عقلاني، قام الفقهاء والمجتهدون إلى تحصيل قوانين الاستنباط وقواعده لاستفادة الأحكام من الأدلة فكتبوها فناً قائماً بذاته سموه (أصول الفقه). قال ابن خلدون: «وكان أول من كتب فيه الشافعي رضي الله تعالى عنه، أملى فيه رسالته المشهورة، تكلم فيها في الأوامر والنواهي والبيان والخبر والنسخ وحكم العلة المخصوصة من القياس، ثم كتب فقهاء الحنفية فيه وحققوا تلك القواعد وأوسعوا القول فيها، وكتب المتكلمون أيضاً كذلك» وهكذا تشكَّل علم الأصول.

يقول المفكر هاشم صالح: «مصطلح الأصولية انتشر في العالم العربي كمرادف لمصطلح التزمت. فعندما نقول هذا الشخص أصولي فهذا يعني أنه متزمت أو متعصب في فهمه للدين. إنه يفهم الدين كعُسر لا كيُسر على عكس ما ينصح به القرآن الكريم. والأصولية تعني أيضاً التمسك الحرفي بالنصوص المقدسة وعدم تفسيرها بشكل مجازي؛ بمعنى أنها تغلب الحرف على الجوهر أو المقصد الأعمق للنص الديني... إن الإيمان يظل منفتحاً وحراً ومتجدداً على الدوام ولا ينبغي أن يجمد. فنحن في هذا العصر العلمي والفلسفي الحديث لا نستطيع أن نؤمن بكل ما كان يؤمن به القدماء من خرافات أو معجزات مضادة لقوانين العلم الفيزيائي أو الطبيعي. ونحن لا نستطيع أن نأخذ الكتب المقدسة ككتب في الفيزياء أو الكيمياء أو البيولوجيا أو الرياضيات إلخ... وإنما هي كتب في الهداية الروحية والأخلاقية بالدرجة الأولى، أما الأصولي فيعتقد بأن كل العلم الحديث موجود فيها». ويؤكد المفكر هاشم صالح أن «الأصولية موجودة في جميع الأديان وليس فقط في الإسلام، ولكن المسيحيين الأوروبيين واليهود أيضاً استطاعوا نقد عقائدهم القديمة بعد أن طبقوا عليها المناهج العلمية والتاريخية وهذا ما لم يحصل في الإسلام حتى الآن».

يقول الأستاذ يونس عباس نعمة: «بدأت حركة الإصلاح الديني بشكل فاعل ومؤثر منذ مطلع القرن السادس عشر في العديد من البلدان الأوروبية؛ لا سيما ألمانيا وفرنسا، وتطور الأمر من اختلافات عقائدية حول الطقوس والمراسيم الدينية إلى البحث عن مسألة حدود السلطة الروحية ومثالب السلطة البابوية ومستوى طاعة الكنيسة، وكان يمكن الاتفاق على الحقيقة الدينية مع اختلاف وجهات النظر لو أمكن إزالة ما عليه الطقوس من جهل وتضليل واستغلال لبساطة الآخرين، لا سيما أن الجميع كان ينهل من نفس المبادئ والعقائد المسيحية، ولكن التعصب الأعمى الذي عليه عدد من رجال الدين من الجانبين، والذي غذته المصالح الشخصية للملوك والأمراء والنبلاء، الذين وجدوا في حركة الإصلاح الديني الفرصة المناسبة للتوسع وحيازة الأراضي والأملاك على حساب الكنيسة، زاد من تعقيد الخلاف وحوله بالتدريج إلى اختلافات ثم إلى نزاعات وحروب شغلت المجتمع الأوروبي لأكثر من قرنين، وأدت في الأخير إلى فكرة فصل الدين عن الدولة وحرية الضمير للجميع، ومن ثم ترك المجال للقوانين الوضعية لحكم البلدان وتراجعت سلطة الكنيسة لتلوذ بدور العبادة وتكتفي بالقداس.

الأصولية الحديثة ضرورة ملحة تمكّن المجتمع من التكيّف مع العصر والمفاهيم العصرية والأخلاقية، والثورة العلمية والتقنية الحديثة ومواكبة التطور العلمي، كما أن الأصولية الحديثة ستقضي على الطائفية والمذهبية والذكورية، وتيسِّر على الأمة أمور دينها.. الأمة تحتاج الأصولية لبناء دول حديثة بهوية إسلامية قادرة على التأثير في عالم فعال نشط ديناميكي لا تهدأ تطوراته.