في العام 2013 وجّه الكثير من المراقبين التهم للرئيس باراك أوباما ومعه وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون بالمساهمة في تأسيس تنظيم داعش أو على الأقل السكوت عن مؤسسيه وتحضير الأرض والمناخ العام لهم، وقتها لم يكن مفهوماً للكثير لماذا تؤسّس دولة عظمى مليشيا أو تقوم بتعويمها وحمايتها.

لم يكن تأسيس داعش إلا استكمالاً للتعامل مع التنظيمات الإسلاموية باعتبارهم أفضل مقاول لتنفيذ استراتيجيات الغرب العابرة التي لطالما اصطدمت بالدول الوطنية وعجزت عن إقناعها أو تنفيذها على حساب أوطانها.

الإقليم العربي حينها كان يغلي من تداعيات ما يسمى الربيع العربي، وكان الهدف بلا شك إكمال موجات الفوضى الخلاقة التي أسقطت بعض الدول العربية وتعثرت في بعضها، سيناريو إدانة الإرهاب فوق الطاولة وعلى المنصات الإعلامية، واحتضانه والتعامل معه تحت الطاولة هو ما ميّز العالم بعد أحداث الـ11 من سبتمبر.

لقد وجدت بعض الدول الغربية أن التعامل مع المنظمات الإرهابية أفضل لها من التعامل مع بعض الحكومات العربية، فلا فواتير تأخذها تلك التنظيمات غير الأموال، بينما الدول تبحث عن مصالحها وتتحرك في مساحات معينة ولا تستطيع تجاوز منظومة الأخلاق السياسية والأمنية التي تؤمن بها.

لقد أثبتت التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود فعاليتها للغرب الذين استطاعوا إسقاط العراق وسورية ولبنان وليبيا واليمن، عن طريق مليشيات الحشد وداعش وحزب الله والقاعدة والإخوان المسلمين، نتج عن ذلك تحويلها إلى أشباه دول، والسيطرة في الوقت نفسه على ما فيها من موارد للطاقة -بترول وغاز ويورانيوم، ولحقتها الهيمنة على المضائق وخطوط الملاحة.

خيارات التعامل مع الدول الوطنية تراجعت غربياً وأضحت العلاقة مليئة بالخشونة والصدام، وهو أمر ليس حديثاً، لقد بدأ منذ 11 سبتمبر، وما تلاها من محاولة نشر استراتيجية الفوضى الخلاقة في المنطقة، أما التعامل مع تنظيم إرهابي فهو الأقل كلفة، حماس مثلاً قدمت لإسرائيل خدمات لا يمكن لتل أبيب تحقيقها؛ ومنها إعادة احتلال غزة التي تحوّلت للإدارة الفلسطينية منذ العام 1993.

اليوم تؤكد الحرب (الروسية - الأوكرانية) التحوّل الدولي باتجاه المليشيات والاعتماد عليها، وهو أمر سيتطور كثيراً خلال الأشهر القادمة وربما يتمدد إلى مناطق أخرى منخرطة في الحرب الروسية الأوكرانية.

فالدولتان الأوكرانية والروسية فشلتا في تحقيق نصر واضح ولم تستطع أوكرانيا اختراق الحدود الروسية أبداً، ولم تحقق نتائج عسكرية بالرغم من مئات المليارات من الدولارات التي صرفت على الحرب، كما أن روسيا ما زالت تحاول الاستحواذ على أجزاء من أوكرانيا بالرغم من كل الأسلحة المتقدمة والصواريخ العابرة، بينما تنظيم متطرف تمكّن من إرسال فرقة مكونة من خمسة أشخاص استطاعت الوصول إلى موسكو، وإحداث الصخب والتأثير المطلوب بعدة بنادق كلاشينكوف وبتكلفة لا تتجاوز 20 ألف دولار.

ولعل مشهد الفوضى الممتد من مضيق باب المندب، مروراً بحماس في غزة، والحشد في العراق، ومليشيات ليبيا، وأخيراً التنظيم الإرهابي الذي وصل إلى موسكو، يكتب تاريخاً جديداً في السياسة الدولية عنوانه سقوط الدولة ونهوض المليشيات، ومؤسسات أذرعها تنفذ الأجندات الإرهابية، أو ما يمكن أن يطلق عليه مستقبلاً «الولايات الغربية الإرهابية».