كل الأصوات التي ما زالت تدعي بأن الفن ليس شريكاً في تربية الأبناء، وأنه أضعف من أن يترك أثراً في نفوس وعقول الكبار والصغار، وأن ما تعرضه الشاشات مجرد تسلية وليس بالضرورة أن تحمل الأعمال الدرامية رسائل يتلقفها الجمهور بشكل مباشر وأحياناً غير مباشر.. تلك الأصوات تضلل الناس من أجل تبرير تجاهلها لهذا الجانب في مضمون الأعمال في سبيل تحقيق أفكارها والدفاع عن أهدافها الربحية من الدراما.

في رمضان تكثر المشاهدة وتجتمع العائلات فتكثر أيضاً الدردشة حول ما تمت متابعته، والصغار أيضاً يلاحظون ويشاهدون ويتأثرون ويتفاعلون على السوشيال ميديا، ولأن الأثر يكون واضحاً، تنتشر على الصفحات والمواقع نقاشات وتحليلات تتصدرها تلك التي يكتبها أو يتناولها المعالجون والأطباء النفسيون والاجتماعيون، وكأنهم يترصدون ويراقبون كل التفاصيل ثم يحللون.. منذ بداية رمضان والمحللون يكتبون: «كيف تربي ابنك العنيد؟» إذا كان مثل الحسين ابن حسن الصبّاح في مسلسل «الحشاشين»، وتحليل مطوّل آخر يناقش «ما أثر ترك ابنك وحيداً في غرفة مظلمة، وأثر العقاب بهذه الطريقة؟ كذلك وفق ما فعل حسن الصبّاح مع ابنه، وموضوع تربوي آخر مطوّل عن «كيف تربي أبناءك على الحنان ليكونوا مثل علي وحسن في مسلسل «مسار إجباري»؟.. ناهيك عن انتقادات واسعة لمشاهد وتصرفات أو ألفاظ سواء عنيفة أو تشجع على العنف والدراما التي تقلل من شأن الزوج أو الزوجة وتلك التي تشوّه مفهوم العلاقات الأسريّة السليمة.

كل ما نشاهده نتأثر به، ولكن ليس كل ما نعيد تصحيحه بعد المشاهدة يمكن أن ينال نفس القدر من المتابعة والاهتمام، وهنا تكمن خطورة ما تعرضه الشاشات والتعليقات التي نقرأها على التواصل الاجتماعي، خصوصاً أن الكثير من الأعمال بات يتناول ظاهرة التيك توك والشهرة والمؤثرين.. والمشكلة أن الجانب التربوي يغيب عن بال بعض المؤلفين، وكأنه لا يكفي شبه غياب الأعمال القادرة على مخاطبة الشباب والأطفال بشكل مباشر والتي تحمل رسائل إيجابية، ورسائل تحذيرية من سلبيات يتعرضون لها وكيفية مواجهتها.

لغة العصر تغيب عن مضمون بعض الأعمال، لكن أدواته موجودة وبشدة، مظاهر يعتبرها المؤلف والمخرج من أدوات واكسسوارات الشخصيات، لكنها تلعب دوراً سلبياً في توجيه الشباب والصغار، مثل التدخين الإلكتروني و«الفايب» الذي صار منتشراً بقوة وتجده بين أيدي الفتيات كما الفتيان في معظم المشاهد، ولأن التدخين مغرٍ برمزيّته الشكلية حيث يوحي ب «التحرر والنضج والاستقلالية»، فلا بد أن يحاول كل من يشاهد هؤلاء «الأبطال» والنجوم على الشاشة من محاولة تقليدهم. الشاشة شريكة في التربية، يلتقط منها الناس إشارات ومفاهيم علينا أن ندرك أبعادها، والشاشة تشاركنا في التعليم، لذلك علينا أن نحسن اختيار ما نقدمه عليها.