أمينة خيري

عادة يبدأ العام بأمنيات عن السلام والوئام. الأعوام القليلة الماضية شهدت تضاؤلاً وانكماشاً لهذه العادة. فأحوال العالم أبعد ما تكون عن قيم السلام وقواعد الوئام. ويبدو أن هذه الأحوال تفاقمت مع نهاية عام 2025 ومطلع 2026.

كان 2025 دامياً، ولا يبدو أن 2026 سيكون أفضل حالاً كثيراً. لعلها المرة الأولى التي ينغمس فيها خبراء جردات نهاية العام، بحصر أماكن الصراع في العالم، وترتيبها تارة بحسب خطورتها، وأخرى بناء على احتمالات توسعها، وثالثة في ضوء أهميتها، بحسب الدول الضالعة فيها.

طغت جردات الصراع وتوقعاته. وبعيداً عما تطرحه أوضاع العالم من تساؤلات فلسفية حول مدى واقعية حلول السلام، وترجيح كفة التشاؤم مرة، والتفاؤل مرة أخرى، والبحث في أسباب الصراع عبر التاريخ، فإن ما يخبرنا به الواقع، هو أن العام الماضي شهد استعار الصراعات في أوكرانيا والسودان وغزة والضفة وميانمار ومنطقة الساحل وهايتي. كما شهد العام اشتباكات بين تايلاند وكمبوديا، وبين أفغانستان وباكستان، وبين الهند وباكستان وغيرها.

لا يوجد رقم دقيق لعدد النزاعات والصراعات في العالم، لكن التقديرات تتحدث عن ما يتراوح بين 56 و120 نزاعاً، بعضها كامن، ينتظر شرارة معاودة الاشتعال، والبعض الآخر مستعر بالفعل. المؤشرات أيضاً تخبرنا أن اتجاه الصراع تصاعدي، وأنه الأعلى منذ الحرب العالمية الثانية. صحيح أن السبب يعود ربما إلى أن الجهات المتحاربة ليست دولاً بالضرورة، لكن الجماعات والميليشيات أصبحت مكوناً رئيساً على خارطة النزاع العالمية، وتظل في نهاية الأمر صراعات تعصف بأحلام السلام، وتحصد القتلى، وتسبب الدمار.

وحيث إن منطقة الشرق الأوسط تستحوذ على نصيب الأسد من صراعات العالم، ودولها الأكثر تضرراً، فإن البحث عن مخارج يجب أن يكون الأولوية في 2026.

يخبرنا التاريخ المعاصر بأن الجهود الدبلوماسية التي بذلتها دول عدة في المنطقة مؤخراً، ساهمت إلى حد كبير في الوصول إلى فترات هدنة، أو دفع بالأطراف المتنازعة إلى طاولات الحوار، أو حتى إبطاء عداد القتلى والدمار.

وتخبرنا حقبة التسعينيات وأوائل الألفية، أن نسب النجاح التي تحققت بإبرام اتفاقات سلام شامل في العديد من أماكن الصراع، يصعب تكرارها في الربع الثاني من القرن الـ21. فبين تقلبات عالمية جذرية، وتحولات في العقائد السياسية والأيديولوجية لدى الكثير من دول العالم، لا سيما الغربي، حيث تسود التوجهات اليمينية بشكل واضح ومتصاعد، وتغيرات في موازين القوة الجيوسياسية والاقتصادية، وطول أمد الصراع في أماكن بالغة الصعوبة، حيث تتداخل الأطماع السياسية مع المصالح الاقتصادية مع الاحتقانات الطائفية، يصعب الوصول إلى سلام عادل وشامل، بطرق وأدوات التسعينيات.

وعودة إلى التوقعات للعام الجديد، ونحن نضع أيادينا على قلوبنا، يتوقع أن يستمر العديد من الصراعات، لا سيما أن علامات التفاهم للوصول إلى حلول تحقن الدماء، لا تلوح في الأفق.

هناك وجهة نظر تشير إلى أن السبيل الوحيدة للخروج من الحروب، ولو مؤقتاً، هي تأجيل التفاصيل، والتوصل إلى تهدئة تتيح الفرصة لالتقاط الأنفاس، وفي تلك الأثناء، يتم حقن قدر أكبر من الدماء، على أن يتم التوصل للسلام بشكل تدريجي. تبقى مخاطر انهيار الحلول قصيرة الأجل أو المؤقتة، وكذلك رفض الأطراف الأكثر قوة والأوفر حظاً للحلول التدريجية.

ورغم ذلك، فإن واقع الحال على الأرض يخبرنا بكل صراحة وفجاجة، أنه ليس في الإمكان أسوأ مما كان، وأن العديد من الأطراف المتصارعة ليس لديها ما تخسره.

«مجموعة الأزمات الدولية» المتخصصة في دراسة سبل منع الحروب، وإرساء دعائم السلام في مناطق الأزمات، ترى أنه على الرغم من المشهد البائس، وعلى الرغم من لجوء قادة عدد من الدول إلى منطق القوة، إلا أنه لحسن الحظ، أن العديد من الدول ما زال متمسكاً بالوصول لنظام عالمي يسوده سلام وعدل. الأمل معقود على هذه الدول لتحقيق قدر من السلام في 2026.