انقضى عام 2025 والاقتصاد السعودي لا يزال صامدًا في مواجهة التحديات والتقلبات التي شهدها الاقتصاد العالمي، وفي مقدمتها الحروب والمشاحنات السياسية بين عدد من دول العالم، وارتفاع مستويات الدين العام، إلى جانب تنامي النزعات الحمائية والتوترات التجارية، وما ترتب عليها من اضطرابات في سلاسل الإمداد، ولا سيما في ما يتعلق بالمعادن الحرجة.
لقد أسهمت حالة عدم اليقين والضبابية التي اكتنفت الاقتصاد العالمي، إلى جانب اضطرابات التجارة الدولية وتصاعد التوترات الجيوسياسية الإقليمية، في تباطؤ أداء الاقتصاد العالمي خلال عام 2025 مقارنة بعام 2024.
وفقًا لتقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر عن صندوق النقد الدولي في يوليو 2025، توقع أن يسجل الاقتصاد العالمي نموًا بنسبة 3 %، مقارنة بنسبة نمو بلغت 3.3 % في عام 2024، ولكن وعلى الرغم من التحديات والاضطرابات الاقتصادية العالمية، أظهر الاقتصاد السعودي العام الماضي قدرة عالية على التكيف والمرونة، محققًا نتائج اقتصادية إيجابية تفوقت على أداء معظم اقتصادات العالم، بما في ذلك اقتصادات الدول المتقدمة، حيث ووفقًا لبيانات الهيئة العامة للإحصاء، سجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نموًا بنسبة 4.8 % خلال الربع الثالث من العام مقارنةً بالفترة نفسها من عام 2024.
يُعزى هذا الأداء القوي والمتميز إلى النمو المتحقق في مختلف الأنشطة الاقتصادية الرئيسـة؛ إذ نمت الأنشطـة النفطيـة بنسبـة 8.3 % ، والأنشطة غير النفطية بنسبة 4.3 %، بينما سجلت الأنشطة الحكومية نموًا قدره 1.4 % على أساس سنوي.
توقّعت وزارة المالية، عند إعلانها للميزانية العامة للدولة، أن يسجل الناتج المحلي الإجمالي للمملكة نموًا بنسبة 4.4 % خلال عام 2025، مع المحافظة على معدل تضخم معتدل في حدود 2.3 %.
أشاد المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي، في تقريره الختامي لمشاورات المادة الرابعة لعام 2025، بأداء الاقتصاد السعودي وقدرته القوية على الصمود في مواجهة الصدمات.
وأشار التقرير إلى استمرار نمو الأنشطة غير النفطية، وبقاء معدلات التضخم ضمن مستويات يمكن احتواؤها، إلى جانب تسجيل معدلات البطالة انخفاضًا غير مسبوق. وفي ظل تصاعد حالة عدم اليقين العالمي في المرحلة الراهنة، أكد التقرير أن تبنّي سياسة مالية معاكسة للدورة الاقتصادية يكتسب أهمية بالغة في تعزيز الاستقرار الاقتصادي.
تجدر الإشارة إلى أن الأنشطة غير النفطية سجلت نموًا قويًا ومتسارعًا خلال السنوات القليلة الماضية، لتبلغ أعلى مستوى تاريخي لها على الإطلاق عند نحو 2.6 تريليون ريال، محققة أعلى معدل نمو سنوي قدره 6 % ما جعلها المحرك الرئيس لنمو الناتج المحلي الإجمالي، بإسهامات بلغت 3.2 نقاط مئوية.
وعلى صعيد الاستثمار الأجنبي المباشر، أظهرت البيانات خلال الربع الثالث من عام 2025 أن قيمة صافي التدفقات بلغت 24.9 مليار ريال، مسجلة ارتفاعًا بنسبة 34.5 % مقارنةً بالربع المماثل من العام الماضي، الذي بلغت فيه 18.5 مليار ريال. ووفقًا لبيانات الهيئة العامة للإحصاء، بلغت قيمة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الداخلة إلى المملكة نحو 27.7 مليار ريال، خلال الربع الثالث من عام 2025، محققةً نمواً نسبته 4.4 % على أساس سنوي.
وفي المقابل، بلغت قيمة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الخارجة نحو 2.7 مليار ريال، خلال الربع الثالث من عام 2025، مسجلةً انخفاضاً نسبته 65.7 %، مقارنةً بالربع المماثل من العام الماضي، الذي بلغت فيه 8 مليارات ريال. وبالنظر إلى أداء القطاع السياحي خلال التسعة الأشهر الأولى من عام 2025 تجاوز إنفاق القادمين إلى المملكة مبلغ 120 مليار ريال بنمو قدره 2 %.
أخلص القول؛ أن المؤشرات الاقتصادية الكلية تؤكد على متانة الاقتصاد السعودي خلال العام الماضي، وتؤكد على قدرته على مواصلة النمو المستدام رغم التحديات والضبابية التي تحيط بالاقتصاد العالمي.
ويعكس الأداء القوي للأنشطة غير النفطية، إلى جانب استقرار معدلات التضخم وتحسن أوضاع سوق العمل، نجاح السياسات الاقتصادية والمالية التي انتهجتها المملكة، وتقدمها بثبات نحو تحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030، بما يعزز مكانتها كاقتصاد مرن وجاذب للاستثمار وقادر على مواجهة الصدمات المستقبلية.
سأتناول بإذن الله في المقال القادم نظرة تحليلية للأداء المتوقع للاقتصاد السعودي خلال العام القادم 2026.















التعليقات