يشهد جنوب اليمن مرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها الحسابات السياسية مع الاعتبارات الأمنية، وتتكشف خلالها مواقف كانت تقدم للرأي العام بوصفها تعبيراً عن قضية، بينما كانت تتحرك في الواقع وفق مسارات أخرى أكثر تعقيداً، في مثل هذه اللحظات تصبح المسؤولية الأخلاقية والسياسية مضاعفة، لأن أي قرار أو تحرك لا ينعكس على شخص أو فصيل فحسب، بل يطال مصير مجتمع كامل يبحث عن الاستقرار بعد سنوات طويلة من الفوضى والانقسام.

التحركات الأخيرة التي ارتبطت بعيدروس الزبيدي أعادت طرح سؤال جوهري حول استقلال القرار السياسي، وحول الجهة التي ترسم خطوط الحركة وتحدد اتجاهاتها، فحين تتقاطع مسارات البر والبحر والجو، وتدار التحركات خارج السياق الطبيعي للمؤسسات، يصبح من المشروع التساؤل عمن يملك قراره الحقيقي، ولأي غاية يستخدم؟.

المؤشرات المتراكمة توحي بأن ما جرى لم يكن وليد لحظة ارتباك، بل نتاج ترتيبات أوسع، تعكس ارتباطاً بأجندات لا تنطلق من أولويات المواطن الجنوبي ولا من مصلحة الدولة اليمنية.

الأكثر دلالة في هذا المشهد، أن لحظة الانسحاب جاءت مترافقة مع إعادة توزيع الأدوار، في محاولة لإيهام الداخل، بينما كانت الوقائع تشير إلى العكس. مثل هذا السلوك لا يمكن قراءته إلا بوصفه انفصالاً بين الخطاب والممارسة، وبين ادعاء تحمل المسؤولية والهرب منها. وفي لحظات الخطر، لا تقاس الزعامات بما ترفعه من شعارات، بل بقدرتها على البقاء في الميدان، وتحمل تبعات قراراتها أمام الناس والقانون.

في المقابل، كشفت التطورات الأخيرة عن مستوى عالٍ من الجاهزية، التي سخرت أدواتها لحماية أمن اليمن واستقرار المنطقة، ومنع تحول الجغرافيا إلى منصة مفتوحة لمشروعات عابرة للحدود، هذا الدور لا ينفصل عن رؤية أوسع تقوم على دعم الدولة ومؤسساتها، ورفض تحويل القضايا العادلة إلى أوراق مساومة في صراعات إقليمية.

اليوم يقف الجنوب اليمني للمضي نحو وضوح سياسي يضع مصلحة الإنسان والأمن والمؤسسات في المقدمة، المرحلة الراهنة لا تحتمل الغموض ولا ازدواجية الخطاب، بل تتطلب شجاعة الاعتراف، وحسم الخيارات، والانحياز الصريح للدولة، وسيادتها، ومستقبل شعبها.