تغريد إبراهيم الطاسان

يأتي استمرار صعود الناتج المحلي الإجمالي للمملكة العربية السعودية في سياق وطني أوسع تؤكد فيه الدولة، عبر قرارات مجلس الوزراء، ما توليه من اهتمام متواصل بتعزيز مكانتها في مجال التقنيات المتقدمة وبناء منظومة رقمية متكاملة تسهم في دعم تنافسية الاقتصاد الوطني وجذب الاستثمارات، ضمن مسار واضح يستهدف بناء اقتصاد مستدام قائم على البيانات والذكاء الاصطناعي تحقيقًا لمستهدفات رؤية السعودية 2030.

هذا التوجه الإستراتيجي لا يعكس فقط طموحًا تقنيًا أو تحديثًا إداريًا، إنما يؤسس لتحول عميق في بنية الاقتصاد نفسه، حيث تصبح المعرفة والتقنية والإنتاجية العالية محركات رئيسية للنمو، وهو ما تنعكس آثاره اليوم بوضوح في المؤشرات الكلية التي تظهر اقتصادًا يمضي بثقة نحو مرحلة أكثر تنوعًا واستقرارًا وقدرة على توليد القيمة المضافة.

وبذلك يواصل الناتج المحلي الإجمالي للمملكة العربية السعودية مساره الصاعد، كاشفًا عن اقتصاد يمضي بثقة نحو آفاق أوسع من التنويع والنمو المستدام، ومؤكدًا في الوقت ذاته أن ما تحقق لم يكن نتاج ظرف مؤقت أو موجة عابرة، بل ثمرة مسار إصلاحي طويل بُني على أسس صلبة من التخطيط والاستثمار وإعادة هيكلة المنظومة الاقتصادية.

المؤشرات الحديثة تعكس صورة متماسكة لاقتصاد استطاع أن يوازن بين الاستفادة من موارده التقليدية وتعزيز محركات النمو غير النفطي، وهو توازن لم يكن سهل المنال في اقتصادات ريعية، لكنه في الحالة السعودية بات واقعًا مدعومًا بالأرقام والسياسات والبرامج التنفيذية.

إن نمو الناتج المحلي الحقيقي في الفترة الأخيرة يعكس تحسنًا عامًا في النشاط الاقتصادي، ويشير إلى قدرة الاقتصاد على امتصاص التقلبات الخارجية والاستجابة لمتطلبات التحول الداخلي في آن واحد. فالاقتصاد السعودي لم يعد يعتمد على محرك واحد، بل باتت منظومته الإنتاجية أكثر تنوعًا وتكاملًا،

حيث تساهم القطاعات غير النفطية بدور متزايد في تشكيل الناتج وخلق القيمة المضافة وتوليد فرص العمل. هذا التحول لم يأتِ بمعزل عن إصلاحات هيكلية شملت بيئة الأعمال، والتشريعات الاستثمارية، وسياسات التوطين، وتطوير البنية التحتية، إضافة إلى التوسع في الشراكات مع القطاع الخاص وتمكينه ليكون شريكًا حقيقيًا في النمو.

ويكتسب هذا الأداء دلالة أعمق عندما يُنظر إليه في سياق عالمي يتسم بقدر كبير من عدم اليقين، حيث تشهد اقتصادات عديدة تباطؤًا أو تقلبات حادة في معدلات النمو والتضخم وأسواق الطاقة.

في هذا المناخ، تبدو قدرة الاقتصاد السعودي على الحفاظ على وتيرة نمو مستقرة نسبيًا مؤشرًا على قوة الأسس التي يقوم عليها، وعلى مرونة السياسات الاقتصادية والمالية التي أُعيد تصميمها لتكون أكثر قدرة على التكيف والاستباق.

فالاستقرار المالي، والانضباط في إدارة الإنفاق، وتوجيه الموارد نحو المشاريع ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي الأعلى، كلها عناصر ساهمت في تعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني داخليًا وخارجيًا.

ويبرز في هذا السياق الدور المتنامي للأنشطة غير النفطية، التي أصبحت تمثل ركيزة أساسية في معادلة النمو، فالاستثمارات في الصناعة، والخدمات اللوجستية، والسياحة، والتقنية، والطاقة المتجددة، والاقتصاد الرقمي، لم تعد مجرد عناوين في خطط مستقبلية، ولكنها تحولت إلى قطاعات فاعلة ترفد الناتج المحلي وتوسع القاعدة الإنتاجية وتقلل من حساسية الاقتصاد لتقلبات أسعار النفط.

كما أن نمو هذه القطاعات يعكس نجاح سياسات جذب الاستثمار المحلي والأجنبي، وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد، ورفع مستوى المحتوى المحلي، بما يعزز من القيمة المضافة المتولدة داخل الاقتصاد.

وفي الوقت ذاته، لا يمكن إغفال الدور الذي ما زال يلعبه القطاع النفطي، سواء من حيث دعمه للمالية العامة أو من حيث مساهمته المباشرة في الناتج المحلي.

غير أن الفارق الجوهري اليوم يكمن في أن هذا القطاع لم يعد وحده حامل عبء النمو، بل أصبح جزءًا من منظومة أوسع وأكثر توازنًا. وهذا التحول يكتسب أهمية إستراتيجية لأنه يرسخ مفهوم الاستدامة الاقتصادية ويحد من تقلبات الدورات الاقتصادية المرتبطة بأسعار السلع الأساسية.

كما أن أداء الأنشطة الحكومية، رغم طبيعته المرتبطة بالإنفاق العام، يعكس بدوره توجهًا أكثر كفاءة في إدارة الموارد، حيث بات التركيز ينصب على جودة الإنفاق وليس حجمه فقط، وعلى توجيه الاستثمارات العامة نحو مشاريع البنية التحتية والتحول الرقمي وتنمية رأس المال البشري، وهي مجالات تُعد من أهم محددات النمو طويل الأجل.

فالاستثمار في الإنسان، والتعليم، والصحة، والمهارات، يمثل ركيزة لا غنى عنها لضمان أن يكون النمو الاقتصادي شاملًا وقادرًا على خلق فرص مستدامة للأجيال القادمة.

ومن زاوية أخرى، فإن تحسن المؤشرات الاقتصادية يعزز من ثقة القطاع الخاص ويشجعه على توسيع استثماراته وخططه التوسعية، وهو ما يخلق حلقة إيجابية يتغذى فيها النمو على نفسه من خلال زيادة الإنتاجية، وارتفاع الطلب، وتوسع الأسواق.

كما أن استقرار البيئة الاقتصادية والمالية يسهم في خفض مستويات المخاطر، ويجعل من المملكة وجهة أكثر جاذبية لرؤوس الأموال طويلة الأجل التي تبحث عن أسواق مستقرة وواضحة الرؤية.

وفي المحصلة، فإن استمرار ارتفاع الناتج المحلي السعودي ليس مجرد رقم في تقرير دوري، بل هو تعبير عن مسار اقتصادي يتبلور بثبات نحو نموذج أكثر تنوعًا وكفاءة واستدامة.

إنه مؤشر على أن الرؤية التنموية التي وُضعت قبل سنوات بدأت تؤتي ثمارها بصورة ملموسة، وأن الاقتصاد السعودي يمضي بخطى واثقة نحو مرحلة جديدة يكون فيها النمو أكثر اتزانًا، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات، وأكثر ارتباطًا بطموحات المجتمع في الازدهار والاستقرار.

هذه الصورة العامة تعكس اقتصادًا لا يكتفي بإدارة الحاضر، بل يستثمر في المستقبل، ويؤسس لقواعد نمو طويلة الأمد تجعل من التقلبات العابرة مجرد محطات ضمن مسار صاعد وواثق.