إنها النسخة الثالثة ولن أفوتها! الفعالية التي تجمع بين حضارتين عريقتين في مكان واحد، وتنظمها وزارة الثقافة، هذه المرة: الحضارة الصينية والحضارة السعودية، هنا في عاصمة العرب: الرياض.
قبيل غروب الشمس وصلت قاعة «الملفى»، في مدينة الأمير محمد بن سلمان غير الربحية، لحضور الأنشطة المتنوعة لفعالية «بين ثقافتين»، التي تأتي ختاماً لفعاليات «العام الثقافي السعودي الصيني 2025»، وأنا أحمل فضول المهتم، وترقب الزائر، لم يكن مجرد حضور فعالية ثقافية عابرة، بل رحلة ثقافية إنسانية متكاملة، صُمِّمت بدقة وانجزت بإبداع، جمعت الثقافة السعودية بالصينية في مشهد متخم بالتفاصيل، عميقٍ بالمعاني.
منذ اللحظة الأولى، كان جليًا أن الفعالية لا تعتمد أسلوب العروض التقليدية، بل التجربة التفاعلية، إذ تُدرك تمازج الثقافة من إضاءات بوابة الدخول، ثم مسار منطقة المطاعم والمقاهي، حيث تتلذذ بنكهات المطبخين السعودي والصيني، وتستمتع بمشاهدة الطهي الحيّ لأشهى أطباق الموروث الثقافي، حيث الطعام ليس لإشباع الجوع فقط، بل فرصة للتلاقي وبناء العلاقات.
ثم تدخل إلى المعرض الرئيس، الذي يبدأ بعرض الأعمال الفنية، من لوحات الفن المعاصر إلى المنحوتات، ومن الصور الضوئية إلى المخطوطات، لفنانين مختلفين من الثقافتين، كما لو كانت جسرًا بصريًا وحسيًا بين حضارتين عريقتين، ودعوة لاكتشاف نقاط التشابه والاختلاف، وتعزيز الحوار والفهم المشترك. ومنه إلى صالة الحرف اليدوية والأزياء الشعبية، والعروض الفلكلورية والتجارب التفاعلية، من كتاب الحرف العربي بالرسم الصيني، إلى تصفيف الشعر، إلى تجربة الشاي الصيني، وغيرها من التجارب الثريّة.
لكن جمال تصميم مسارات ومتاجر المعرض كانت أبرز ما لفت نظري، والتي لم تكن مجرد إطار إبداعي للفعالية، بل جزءًا من رواية القصة نفسها، حيث مُزجت العمارة السعودية بالصينية، وكذلك الألوان، الإضاءة، توزيع المساحات، وحتى حركة الزوار داخل المعرض؛ كلها عناصر صُممت لتقودك بهدوء من تجربة إلى أخرى، دون شعور اختلاف الثقافتين، وبالتأكيد هذا النوع من التصميم المبدع يعكس فهمًا عميقًا لدور المكان في تشكيل التجربة الثقافية.
أيضاً شدّني أن الأنشطة لم تكن تُشرح وتفصّل؛ بقدر ما تركت تتحدث عن روحها، وهو ما أزعم أنه جوهر أي تواصل ثقافي فعال، عبر اتاحة مساحة للفهم والإدراك، وليست المعلومات البسيطة أو المقارنات السطحية، أيضاً الروح الرائعة لبناتنا وأبنائنا من المنظمين، حيث لم يبخلوا بالمعلومة والمصدر، والابتسامة المتواصلة.
خرجتُ من «بين ثقافتين» وقد تشربت حواراً حضارياً راقيًا، أكد أن الثقافة أقصر طريق يتجاوز حدود اللغة وتضاريس الجغرافيا، ونحن اليوم متشوقون لمزيد من هذه الملتقيات الثقافية من الشرق ومن الغرب، التي تقربنا نحن من ثقافات مختلفة عنا، وتعمّق حوارنا الدائم مع العالم من حولنا.















التعليقات