خالد بن حمد المالك
هذا التحول الإيجابي السار الذي يجري في جنوب اليمن منذ الشهر الماضي وإلى اليوم، والإنجازات الميدانية السريعة التي أفشلت المؤامرة، وطوَّقت الفتنة، وغيَّرت المعادلة، وأوقدت شعلة التحرُّر مما كان يُبيَّت لهذا الجزء الغالي من اليمن، لن يكون نهاية المطاف، على أهمية ما تحقق، فالمتربصون ممن هُزموا وطُردوا ولن يتوقف تآمرهم، وحقدهم، أو التنازل عن تحقيق مصالحهم الشخصية.
* *
فكيف يهدأ لهؤلاء بال وقد أصبح اليمن محرَّراً من قياداتهم الشريرة، ومفرَّغاً من معسكراتهم، وأسلحتهم، ونفوذهم، مع إعلان هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي عن حلِّ المجلس، وإلغاء جميع مكاتبه في الداخل والخارج، وهو آخر ما بقي من نفوذ للزبيدي، ومن ووجود سياسي وعسكري للمجلس بالبلاد؟
* *
فقد أعلنت هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي، والقيادة التنفيذية العليا، وأمانته العامة، وبقية الهيئات التابعة للمجلس حلَّها المجلس بشكل رسمي، وحلَّ جميع هيئاته، وأجهزته الرئيسية والفرعية، وإلغاء مكاتبه في الداخل والخارج، مع توجيه الدعوة إلى مختلف الشخصيات والقيادات الفاعلة في الجنوب إلى الانخراط في مسار مؤتمر الحوار الجنوبي الشامل.
* *
ولم يكن مثل هذا البيان بحلِّ المجلس الانتقالي ليصدر من قادة المجلس لولا الأحداث الأخيرة المؤسفة في محافظتي حضرموت والمهرة، وما تلاها من مواقف رفض لكل جهود التهدئة، وإنهاء التصعيد، وما نجم عن ذلك من تداعيات خطيرة ومؤلمة، ما جعل التطورات تسير نحو الحسم العسكري، والتعامل بقوة مع الرافضين للاستقرار، المصرين على توجيه بوصلة الأحداث لما يدمِّر جنوب اليمن، ويحقِّق مصالحهم الشخصية، حتى إذا ما هُزموا فروا إلى خارج البلاد.
* *
وكما وصف وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان البيان، فقد كان قراراً شجاعاً ما اتخذته الشخصيات والقيادات الجنوبية بحلِّ المجلس الانتقالي، كون البيان ينطلق من حرص هؤلاء على مستقبل القضية الجنوبية، وتشجيعاً لمشاركة باقي أبناء الجنوب في مؤتمر الرياض، خدمة لقضيتهم، دون استثناء، أو تمييز، أو إقصاء، لأي من الشخصيات الجنوبية، في محافظات الجنوب كافة.
* *
وبذلك أصبح لقضية الجنوب مسار حقيقي ترعاه المملكة، ويدعمه ويؤيِّده المجتمع الدولي، عبر مؤتمر الرياض، وصولاً إلى إيجاد تصور شامل لحلول عادلة، بما يلبي إرادتهم وتطلعاتهم، لطرح مخرجات المؤتمر على طاولة الحلِّ السياسي الشامل في اليمن، خاصة بعد حلِّ المجلس الانتقالي، وفرار رئيسه الزبيدي وأعوانه، وما يمثِّله البيان وموقِّعوه الشجعان من قادة المجلس من الوعي السياسي، ومن إدراك لحساسية المرحلة التي يمر بها اليمن، وما يتطلبه ذلك من توحيد للجهود، ووحدة للصف.
* *
وبالتأكيد فإن قرار حلِّ المجلس الانتقالي يعكس ثقة المكونات الجنوبية في صدق مساعي المملكة الرامية لإيجاد حلٍّ عادل للقضية الجنوبية، بعد ثبوت هروب عيدروس الزبيدي، وتخليه عن فريقه في أحلك الظروف، وتنصله من مسؤولياته تجاه القضية الجنوبية التي يدِّعي أنه المدافع عنها، بينما ظهر فشله في تحقيق الأهداف التي أُسس المجلس الانتقالي لتحقيقها، وعلى رأسها قيادة وتمثيل القضية الجنوبية، بما يضمن تحقيق تطلعاتها، حيث اتخذت قيادته المتهورة قرارات أضرَّت بالقضية الجنوبية، خدمة لمصالحه الشخصية، وطموحه في الاستفراد بالسلطة، وإقصاء الآخرين.
* *
أما وقد أثبتت مستجدات الأحداث في اليمن الجنوبي، أن المجلس الانتقالي كان أداة في يد عيدروس الزبيدي، لاستغلاله للقضية الجنوبية العادلة، والمزايدة بها لتحقيق مآربه ومكاسبه الشخصية، وإقصاء وتهميش المطالب الحقيقية لأبناء الجنوب، وأن ما قام به من جرائم قد أضر بالقضية الجنوبية، وأسهم في إفقادها ما حققته من مكاسب من خلال مخرجات الحوار الوطني الشامل (2014م) وقرار نقل السلطة (2022م) فإن إعلان حلِّ المجلس الانتقالي بالتفاصيل المعلن عنها، يؤكِّد على ثقة المكونات الجنوبية في صدق مساعي المملكة الرامية لإيجاد حلٍّ عادل لقضيتهم.
* *
وها هي قيادات المجلس الانتقالي بإعلانها حلَّ المجلس، وبأنها لم تشارك في اتخاذ قرار إطلاق العملية العسكرية في محافظتي حضرموت والمهرة، التي أضرَّت بوحدة الصف الجنوبي، وتسببت في شرخ في العلاقة مع تحالف دعم الشرعية في اليمن الذي تقوده المملكة، وهي التي قدَّمت تضحيات ودعم سياسي واقتصادي وعسكري منذ تأسيسه، وكان ذلك محل تقدير أبناء ومكونات المحافظات الجنوبية الذين رفضوا بشكل قاطع أي إجراءات تمس جوهر قضيتهم، وأن الحلَّ لها يأتي من خلال حوار مؤسسي وشامل.
* *
ويتطلع أبناء الجنوب في المرحلة الحالية التي يمر بها الجنوب بعد حلِّ المجلس الانتقالي وتنظيف اليمن الجنوبي من المتآمرين عليه، استشعار الجميع بأهمية تظافر الجهود، لصون المكتسبات، وحماية الجنوب من أي فوضى، أو اختلالات، كما تتطلب المرحلة قرارات شجاعة، هدفها الأول والأخير، حماية الإنسان، وصون الأمن، والحفاظ على مؤسسات الدولة، والقطاع الخاص، وهذا ما هو منتظر من مؤتمر الرياض.















التعليقات