أحمد المغلوث

في ليلة شتوية مثل هذه الليالي وفي مجلس خالي المهندس عبداللطيف -رحمه الله- والذي كانت لديه أقدم ورشة سيارات بالأحساء كان مجلسه عامراً كالعادة برواد المجلس إذا بأحد «الصبيان» يدخل المجلس وعلى رأسه «خيشة» متوسطة الحجم وبعدما ألقى السلام والتحية وضعها بجانب وجاق المجلس وفتحها حاملاً في يده حبة «فقع» كماة وإذا برائحة الفقع تنتشر في المجلس وسط دهشة رواده عندها قال الصبي «فرج» موجهاً كلامه لخالي هذه نقصة من أبو مشاري يعني هدية منه مع سلامه وتحياته وكان يتمنى أن يسلم عليك شخصياً ولكنه مستعجل وأمامه طريق وبيسافر الدوحة أنصت الجميع إلى ما قاله الصبي وراح الذي يجلس بجانب «الراديو» الخشبي الكبير مخفضاً من صوت القاضي العراقي المهداوي والذي يذاع من إذاعة بغداد وكان هذا القاضي اشتهر بأسلوبه الاستفزازي.

وراح ضيوف المجلس وكل واحد منهم يمني نفس بالحصول على بعض مما في هذه «الخيشة» فرد عليه خالي مبتسماً قائلاً: والنعم من بو مشاري ويا ليتني كنت موجوداً في مجلس الورشة.

لكن عقبال ما نلتقي عند عودته بمشية الله وتغير اهتمام من في المجلس من متابعة «المهداوي» إلى الحديث عن الفقع «الكمأة» هذا الفطر الأغلى سعراً في مختلف دول العالم، بل أسعاره في هذا الزمن تحلِّق عالياً ورحت أصغي السمع إلى كل واحد وهو يتحدث عن الفقع ومزاياه أكان في الكبسة أو داخل المرق، بل قال بعضهم فيه أكثر مما قيل في أنواع الفطر الأخرى فهذا يقول عنه: إنه كان في الماضي منتشراً أكثر وفي العديد من الأماكن بالمملكة وأجمع الجميع على أن هذا الفطر هو الأغلى، بل كانت بعض القبائل في الغرب وحتى في بعض الدول العربية كان يقدم مهراً للزوجة وهناك من قال عنه بأنه لحم «الفقراء» وعادة ما يساهم عند العثور عليه في ربوع البوادي بجانب علامات في الأرض التي أمطرت مثل نبات الرقروق أو حشرات تطير حول المكان التي يوجد فيها فطر الفقع ويحظى هذا الفطر على مستوى العالم باهتمام كبير لدى الأثرياء، وتقدم مطاعم الدول الغربية أطباقاً خاصة وعيبها أسعارها الخيالية، وتجدر الإشارة أن رائحة الفقع النفاذة التي تتيح للكلاب المدربة القيام باكتشافها بسهولة خاصة لمن تدربت على ذلك وخلال وجودي في باريس قبل سنوات دعيت لتناول العشاء مع أحد المعارف فكان الطبق الرئيس هو «الكمأة» وكان سعره مرتفعاً جداً، والمدهش كان لونه شبه أسود. هذا وحسب ما تشير إليه بعض الدراسات الطبية فإن الكمأة تحتوي على مادة تحسن من المزاج وتساعد على الشعور بالراحة وهذه المادة هي (الاناندايد) وهذه المادة تحفز على إنتاج الميلامين وهذه المادة تساهم في إرشاد الحيوانات وجذبها إليها وبالتالي تشير إلى وجود الفطر تحت الأرض وبعدها يتم استخراجه بسهولة، هذا وفي العقود الأخيرة بات الفقع متوفراً في مختلف الأسواق وذلك من خلال معلبات مختلفة تصدرها شركات أوربية وغربية وحتى عربية، بل الجديد بات الفقع تتم عملية استزراعه في مدينة الخور القطرية.

ومع كل موسم تنتشر أسواق العروض والمزايدات إلى اهتمام الناس بهذا الفطر ودخوله ضمن مكونات أطباق مختلفة مما ضاعف من أسعاره، حيث تصل أسعار بعض الأنواع من زبيدي إلى مبالغ تحلق عالياً فالكيس من هذا النوع يصل إلى ألف ريال واشتهرت مناطق شمال المملكة بتوفر هذا الفطر الفريد وأكثر ما يوجد في حفر الباطن والجوف وحائل وحتى بر النعيرية. ويتوافد على أسواق المملكة التي يتوافر فيها الفقع المئات من أبناء الدول الخليجية وهم يشترون كميات كبيرة ثم يعيدون بيعها في مدنهم.