يميل البشر إلى تبسيط العالم بتسميات مريحة؛ فعندما تتوافق الظروف لصالحنا نميل إلى اعتبار النتيجة "حظاً"، وفي حالات الفشل نبحث عن أعذار خارجة عن إرادتنا، هذه الآلية توفر راحة مؤقتة: تزيل عنا عبء الشعور بالخطأ أو الإخفاق، لكنها أيضاً تقوّض مسؤوليتنا عن صنع الفرص.

علم النفس الاجتماعي يعرّف مفهوماً مهماً هنا: "محور السيطرة" (Locus of Control)؛ فالأشخاص الذين يملكون محور سيطرة داخلياً يعتقدون أن نجاحاتهم أو إخفاقاتهم نتيجة لأفعالهم وخياراتهم؛ أما ذوو المحور الخارجي فيرجعون النتائج إلى الحظ أو القدر أو تأثيرات خارجية. هذا التمايز لا يصف الحظ بحد ذاته، لكنه يفسر لماذا يراه البعض كقوة مركزية في حياته، بينما يراه آخرون مجرد عامل من بين عوامل عدة.

ثم هناك ظاهرة عقلية معروفة: "انحياز التأكد الرجعي" (Hindsight bias)، فبعد وقوع حدثٍ ما، يعتقد الناس أن نتائج الحدث كانت متوقعة أو حتمية. هذا الانحياز يجعل قصص الحظ تبدو أكثر منطقية في السرد لاحقاً: "كنت أعلم أن ذلك سيحدث". لكنه يطمس اللاحتمية والفرص التي كانت متاحة والتي لم تُستغل. وهكذا يُعاد تكييف الذاكرة لتجعل الحظ يبدو أشبه بمسار مكتوب، لا بسلسلة من احتمالات متقلبة.

من الجانب الفلسفي، يناقش المفكرون الحظ منذ سقراط وأفلاطون إلى الباحثين المعاصرين، فالفلسفة القديمة تعاملت مع الحظ بوصفه ميداناً للاختبار الأخلاقي؛ الفلاسفة الحداثيون نظروا إليه كعامل ربما يختزل كثيراً من الكرامة الفردية إن اعتُمد عليه بشكل مفرط. وفي الزمن نفسه، جاء فلاسفة عمليّون ليقولوا إن ما يُسمى بالحظ هو نتيجة لتراكب فرص قابلة للقياس، وأن ما يبدو لحظةً عابرة هو في الواقع نتاج شبكة من القرارات الصغيرة.

إذن، كيف نتعامل مع الحظ عملياً؟ أولاً: نعيد تعريفه؛ يمكن اعتباره "مُحتمَلات" وظروفاً قابلة للزيادة أو النقصان حسب أفعالنا، مثال ذلك شخص يوزع سيرته ويُكوّن علاقات مهنية واسعة ويجرب أشياء جديدة يزيد من احتمالات أن تصادفه "صدفة جيدة"، هنا تتقاطع الحكمة الشعبية مع العلم: لا تقنع نفسك بأن الحظ وحده سيُسعفك، لكن لا تمحُه كلياً من معادلة الحياة.

ثانياً: نمط التفكير؛ فالامتنان والاعتراف بالعوامل الخارجة عن إرادتنا يساعدان في تلطيف الشعور بالوحدة أمام النجاح، بينما التركيز على التعلم من كل تجربة سواء كانت ناجحة أو فاشلة؛ يحوّل ما ظنناه "حظاً سيئاً" إلى مادة خام لتحسين القرارات المستقبلية. والأشخاص الذين يتعاملون مع الأحداث كمواد للتعلم يميلون إلى إنتاج "حظ" أفضل عبر الوقت لأنهم يضبطون سلوكهم استناداً إلى التجربة.

ثالثاً: تبنّي استراتيجيات عملية لزيادة "الصدفة الإيجابية"؛ وتنمية شبكة علاقات، القراءة، والتعلم المستمر، والتجريب، والحضور في أماكن جديدة. كل هذه تُضاعف نقاط الالتقاء مع الفرص، فلا يوجد ضمان مطلق، لكن الإحصاء البسيط يعمل لصالح من يخلق لأنفسهم بيئة مُحفِّزة.

لا ينبغي أيضاً أن نغفل الجانب الثقافي؛ ففي بعض المجتمعات يُعبّر عن الظواهر بنبرة قَدَرية وقد يُستخدم الحديث عن الحظ للتخفيف من وصمة الفشل. في مجتمعات أخرى، يُشجّع الناس على أن يأخذوا زمام المبادرة. إن فهم السياق الثقافي يساعد على تفسير كيف يتبنى الأفراد قصص الحظ حولهم.

الحظ ليس عدو العقل ولا صديق الحظرة؛ هو مساحة تتداخل فيها الصدفة مع الاختيار، والبيئة مع الاستعداد، والفرصة مع الجهد. نديره ليس عبر انتظار معجزات، بل عبر خلق شروط تجعل المعجزات أكثر احتمالاً، وقبول أن بعض الأشياء ستظل خارج سيطرتنا، وهذا جزء من متعة الحياة. يقول الفيلسوف سينيكا "الحظ هو ما يحدث عندما تلتقي الاستعداد بالفرصة".