سارا القرني

الدحة، الرفيحي، العرضة، السامري، وغيرها من ألوان الفلكلور الشعبي ليست مجرد رقصات تؤدى أو أهازيج تُردد، بل هي شيفرة ثقافية تختزل آلاف السنين من التاريخ، وتروي تفاصيل الإنسان السعودي في الفرح والحرب، في الاجتماع والاحتفال، في الشجاعة والفزعة.

مشاهدة مقطع للدحة مترجمًا إلى اللغة الإنجليزية قد يثير في البداية شيئًا من الغرابة، وربما حذرًا من الترجمة الخاطئة أو المبالغة في محاولة إرضاء «الآخر». ولكن، في العمق، ما يحدث هو عملية انفتاح ذكية ومقننة تُعلي من شأن الثقافة السعودية وتُبرزها على الساحة الدولية دون أن تتخلَّى عن هيبتها أو أصالتها.

ترجمة الفلكلور ليست تنازلًا عن الهوية، بل إعلان وجود لها بلغة يفهمها الجميع. إنها محاولة لإيصال الرسالة بأن هذا الإرث ليس حكرًا على من يفهم اللهجة أو يعايش البيئة، بل هو ملكٌ للإنسانية كلها، يُمكن لكل مهتم بالثقافة أن يتفاعل معه ويفهم رمزيته.

حين نُترجم الدحة مثلًا، لا نترجم فقط الكلمات، بل ننقل الموقف والسياق والتاريخ وراء هذا الفن. نحن لا نستجدي إعجابًا من العالم، بل نضع إرثنا على الطاولة ونقول: «هذا نحن.. من أراد أن يعرفنا فليبدأ من هنا».

الرفيحي وغيره من الرقصات التي ربما لا تجد لها في الغرب مثيلًا، تصبح مادة ثقافية مثيرة، تدفع المهتمين بالثقافة والأنثروبولوجيا والفن لاستكشاف جذورها ومعانيها. إنها جسورٌ نبنيها بلغة الآخر دون أن نُفكك بناءنا الداخلي.

المواسم الثقافية والمعارض مثل معرض الرياض الدولي للكتاب، ومواسم السعودية، باتت منصات مثالية لعرض هذا الإرث للعالم، سواء بالترجمة أو بالمشاركة الفعلية. وهذه التحركات ليست عشوائية، بل جزء من رؤية سعودية جديدة تعي أهمية تصدير الثقافة وليس فقط استيرادها.

ختامًا، الترجمة لا تعني التنازل، والانفتاح لا يعني الذوبان، بل هي مفردات جديدة نُحمّلها معانيَنا ونرسلها للعالم بثقة. ومن لا يستطيع أن يشرح إرثه بلغة الآخرين، لن يستطيع أن يحميه من الاندثار.

ثقافتنا قوية، والدحة ليست مجرد رقصة.. إنها رسالة.