اعتدالُ المناخ الليبي طوالَ فصول العام يقابله، وجهاً لوجه، تطرّفُ السياسةِ الليبية. صحوُ سمائها، وفتنةُ جمالِ زرقةِ مياه بحرها يقابله غموضُ تفاصيلِ غموض ما يحدث في عتمةِ كواليس مسرحِها السياسي. تلكَ المفارقةُ الصارخة ليست حكراً على ليبيا؛ بل تشمل بلداناً أخرى عديدة في قارات العالم الخمس. إلا أنّها في ليبيا تبدو للمراقب أكثر وضوحاً وتجلياً لدى المقارنة. ولا تخصُّ حقبة معينة كذلك، ولذلك السبب كثيراً ما أثارت اهتمام الباحثين والدارسين.
في آخر زيارة إلى المدينة، شاءت لي الأقدارُ أن أكون شاهد عيانٍ على واحدة من أسوأ المصادمات التي شهدتها في مرحلة ما بعد انتفاضة فبراير (شباط) 2011، إذا استثنينا حرب عام 2019 التي شنّها المشير خليفة حفتر. تلك الحرب كانت في شهر مايو (أيار) 2025. أذكر أنني أصبتُ خلالها ب حالة رعب لم أعهدها طوال ما عشت، جعلتني أعجّل بحزم أمتعتي في حقيبة سفري والمغادرة، عازماً على عدم العودة إليها مجدداً.
وها أنذا حالياً، بعد تلك التجربة المريرة والأليمة والمحزنة، أُخلف بوعدي، وأشدُّ الرحال نحوها، وكأن ما حدث ليس سوى كابوس آخر عابر، يضاف إلى سلسلة طويلة من كوابيس الحياة التي تصادفنا.
في اليوم التالي لوصولي، حين خرجت إلى الشوارع متجوّلاً، مستطلعاً أخبارها، ومُعايناً أحوالها، ومشخصاً أوجاعها، بدت لي طرابلس كأنها مدينة لم ترَ حرباً مطلقاً، فأدركت عندها أن المدن، على اختلافها، وأينما كانت، قد تصاب بوعكات وأزمات، لكنها تتشبث بالحياة وترفض الموت، وأنها أيضاً، وهذا المهم، قادرة على التغلب على كل ما يعتريها من أعراض أمراض كثيرة. وطرابلس الغرب، أو أي مدينة ليبية أخرى، لا تخرج عن ذلك السياق الحياتي، وأن الندوب التي تخلّفها القذائف وطلقات الرصاص في الحروب، سواء على الجدران أو في الذاكرة، يتكفل الزمن ومتطلبات العيش ليس بمحوها؛ بل بوضعها جانباً ومحاولة تناسيها، ومواصلة السير في دروب الحياة المختلفة.
المدنُ، واقعياً وفعلياً، صممت وشُيدت على مرّ التاريخ لتكون دروعَ حمايةٍ من سهام الأعداء، وبرغبة العيش بسلام، لذلك، فإنها وإن كانت لا تنسى آلام جراحها، فإنّها قادرة على تجاوزها، والتعايش معها لتستمر الحياة، وذلك قدرها. إلا أنها من جهة أخرى يُستعصى عليها السلام حين تنفجر الصراعات والحروب داخلها.
ندوب وجروح الحروب تبقى شواهد لدى السكان بذكريات مختلفة. بعضهم يعدّها شاهداً على صمود ومقاومة المدينة وأهلها وانتصار الحياة، وبعضهم الآخر يراها شاهداً على فداحة الحُمق الإنساني.
هذه المرّة، وصلتُ إليها نحو منتصف الليل، وقد تقلص ضجيج ازدحام حركتها المرورية، وبدأت كأنها تستعد للخلود إلى النوم. نجوم سمائها اختفت وراء الغيوم، وأضواء شوارعها وطرقاتها كانت تبدد العتمة، وتُقرّب الطمأنينة، على جرعات صغيرة، إلى قلب زائر متوجس، ما زال صدى القذائف وأزيز رصاص آخر المصادمات يثقلان خلايا ذاكرته.
هذه المرّة، كانت الزيارة لا تختلف عن غيرها، بغرض محاولة استيعاب ما طرأ على معادلة الصراع من مستجدات لا تظهر على السطح، من خلال الجلوس والاستماع إلى ما يقوله أهل الرأي من أهلها في جلسات خاصة، وما لديهم من أسرار يحرصون على كتمانها، ولا يفشونها إلا في جلسات ضيقة جداً، ضماناً لسلامتهم، وكذلك آخر ما استجدّ عندهم من أخبار الفساد، وما طرأ من عمليات نهب وسرقات للمال العام في صفقات سرّية.
خلال الأيام الأولى من الزيارة، شعرتُ بدفء الطقس وطراوته، ولم أشعر بدفء الاستقرار وأمنه، وتلك معضلة كل الليبيين. كنت، أدرك أن ما يظهر على السطح من هدوء واعتيادية يخفي تحته ما لا نحبه ونخشاه في آن، وأن الحياة في طرابلس بطبقات عديدة، لمن عرف المدينة وخبر أحوالها، قديماً وحديثاً، وأن الطبقة الرقيقة الظاهرة على السطح من الهدوء والسلام تخفي تحتها طبقات أكثر عتمة محذّرة ومُنذرة، تشكل عبئاً ثقيلاً على النفوس، وبمثابة أصفاد غير مرئية، تعيق الحركة إلى الأمام، وتربك إيقاعات نبض القلوب، وتجعل التوجس والخوف مما قد يحمله الغد من مفاجآت غير سارة، عائقين يحولان بين الناس والطمأنينة ومواصلة الحياة باعتيادية.
السلامُ الهشُّ والسطحي عدو الاستقرار، وفي الوقت ذاته، أفضل بيئة لتوالد الأسئلة غير المُجاب عنها. وحين يحتد الصراع على السلطة في بلد تضعف فيه سلطة الدولة، ويبلغ عدد قطع السلاح أكثر من عدد السكان بأضعاف، يكون من المستحيل على الاستقرار الحصول على موطئ قدم.

















التعليقات