الحروبُ أنواعٌ عديدة، وهي، على اختلافِها، ليست دائماً شرّاً مطلقاً؛ إذ إنَّ بعضها، أو بالأحرى القليل منها، ينجمُ عنها خيرٌ لم يكن مستهدفاً في الحسابات لصالح طرف أو أطراف. الحرب الأوكرانية - الروسية أفضل مثال؛ فهي منذ اشتعالها فجأة في فبراير (شباط) في عام 2022 وحتى الآن تمكَّنت من الاستحواذ على اهتمام وسائل الإعلام الدولية، كما استحوذت على أجندة الساسة خاصة في دول أوروبا الغربية، وتداعياتها طالت دولاً عديدة، حتى في قارة أفريقيا، وكادت تتسبب في مجاعة، بعد تعذَّر وصول شحنات القمح الأوكراني إلى دول عدة.

نشرات أخبار وسائل الإعلام الدولية تبدأ يومياً بنقل ما استجد في ساحات تلك الحرب من معارك. وتتوالى التقارير عن اجتماعات يعقدها قادة ورؤساء حكومات دول الغرب بشكل أسبوعي، ناقلة ما يجري بينهم من مشاورات واتفاقات تدور حول منع روسيا من تحقيق نصر عسكري في أوكرانيا، وتهدد أمنهم.

قادت وسائلُ الإعلام الغربية حملةً شرسة غير مسبوقة تندد بروسيا أولاً وبالصين ثانياً، وتحيلهما في ذهن المواطن الأوروبي إلى وحشين هائلين يسعيان إلى ابتلاعه في حالة هزيمة أوكرانيا عسكرياً، ما لم يتم دعم أوكرانيا في جبهات القتال وعلى مناضد المباحثات. وتحوّل الرئيس الأوكراني إلى ما يشبه سندباداً جديداً، يطوف عواصم العالم من أجل تجميع الدعم السياسي والمالي والعسكري.

طوال 4 سنوات، كانت كل حسابات دول الغرب السياسية قائمة على صدّ الشّرور القادمة من الشرق - روسيا والصين - والعمل على تحصين الحدود، ورفع ميزانيات الدفاع، والدعوة إلى إعادة التجنيد الإجباري. وظلَّ العالمُ يصحو وينام على آخر ما وصل إليه قادة دول الغرب في لقاءاتهم من تدابير وقائية دفاعية تحول بين روسيا والزحف غرباً باتجاههم عسكرياً، ووضع القيود الجمركية أمام زحف البضائع الصينية نحو أسواقهم.

النقلة الحرجة في اللعبة بانت منذ وصول الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في ولاية ثانية. كانتِ العلامات والإشارات والدلائل، يوماً تلو آخر، تزداد وضوحاً، وتستوجب التَّوقفَ عندها وإعادة النظر في الحسابات القديمة، لكنَّ غلالةً قاتمةً كانت تحجب عيون قادة دول الاتحاد الأوروبي، وتحول بينهم وبين رؤية حقائق الواقع الجديد، الذي صار يتوطّد يوماً بيوم في أميركا على مستوى السياسات الاستراتيجية، وعلى مستوى الأحداث اليومية، والتصريحات الرسمية من الرئيس ترمب ومن وزراء حكومته وكبار مستشاريه.

والذكرى الرابعة لاشتعال تلك الحرب تقترب خلال الأيام المقبلة، وتبيّن لأولئك القادة الأوروبيين أنَّ حساباتِهم السياسية كانت تفتقر إلى بُعد النظر، وأنَّ خطوطَ دفاعهم التي شيَّدوها تحسّباً لغزو قادم من الشرق لم تكن سوى نسخة عصرية من «خط ماجينو» في فرنسا الذي تجاوزه التاريخ. كانت أعينُهم شاخصةً نحو الشرق، بينما جاءتهم الهزةُ الحقيقية من الغرب، وتحديداً من الحليف التاريخي: واشنطن، أي من مواقع نيران كانت تُصنّف صديقة.

تمثلت هذه الضربةُ في التَّحول الجذري في الأولويات الأميركية؛ حيث وجدت أوروبا نفسَها فجأة في مواجهة سياسة «أميركا أولاً» بنسخة أكثر حدّة، أدَّت إلى سحب الغطاء العسكري تدريجياً، وتوجيه الدعم الاقتصادي نحو الداخل الأميركي، تاركةً القارة العجوز وحيدة في مواجهة تبعات حرب استنزفت خزائنها وطاقتها. ليس هذا فحسب، بل تسعى للاستيلاء بالمال أو بقوة السلاح على أراضٍ تابعة للدنمارك (غرينلاند) الدولة الحليفة، والعضو في حلف «الناتو».

كانت هذه الضربة بمثابة «علاج بالصدمة» للمنظومة الأوروبية. فلأول مرة منذ عقود، أدركت دولُ الغرب الأوروبي أنَّ الاعتماد المطلق على واشنطن والوثوق بها ثقةً عمياء، كانا على حساب تأهيل وتعزيز دفاعاتها وأمنها.

الصراع الدولي لم يعد بين دولٍ تُصنف ديمقراطية وأخرى تصنّف ديكتاتورية، بل أضحى بوضوح صراعاً شرساً على الموارد والسيطرة الجغرافية. فنزويلا كانت منصة الانطلاق ونقطة التحوّل، حيث تم كشف المحتوى الأميركي. وحسابات واشنطن القديمة تغيرت ومكانها حلت أخرى جديدة. وتبيَّن لقادة أوروبا الغربية ودول حلف «الناتو» وبقية دول العالم أن شعار «أميركا أولاً» ليس مجرد شعار سياسي مرفوع لدرء رمادٍ في عيون، بل سياسة استراتيجية صُمّمت لتنفذَ على أرض الواقع. وأن ما حدث ويحدث من ضجيج حول جزيرة غرينلاند الدنماركية، ليس سوى بداية حقبة أميركية تاريخية مختلفة عما سبقها، وليس من ضمنها التصدي لروسيا، أو الدفاع عن قارة عجوز أرهقتها الأزمات الاقتصادية والسياسية.