قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

مطلع مايو الجاري، زار رئيس الوزراء البحريني، الأمير خليفة بن سلمان، منزل السيد عبد الله الغريفي، أحد أبرز القيادات الدينية والوطنية الشيعية.

     الزيارة التي أتت "ردا على زيارة السيد الغريفي لسموه لتعزيته، كما أنها تأتي ضمن زيارات سموه للتواصل مع مختلف شرائح المجتمع"، بحسب البيان الصادر عن ديوان رئيس الوزراء، أشاعت جوا من الإيجابية والترحيب، في أوساط المواطنين، وتحديدا أبناء الطائفة الشيعية الكريمة، لعدد من الأسباب، أهمها:

1.   الزيارة جاءت من شخصية رئيسة في الأسرة الحاكمة، متمثلة في شخص رئيس الوزراء، رفقة عدد من أبنائه وأحفاده، وسادها جو من الود والاحترام المتبادل. 

2.   الأجواء الإيجابية التي تخللت اللقاء، والتي نقلت جزء منها وكالة الأنباء البحرينية، واهتمت بها الصحف المحلية. كما ثناء الأمير خليفة بن سلمان على المواقف الوطنية للسيد الغريفي، و"تقديره لإسهامات العلماء في تعزيز مسيرة العمل الوطني، من خلال ما يقومون به من دور بناء في ترسيخ قيم التسامح والتعايش واللحمة الوطنية، وحث المجتمع على المشاركة بإيجابية في جهود البناء والتنمية".

3.  الحديث الصريح للسيد عبد الله الغريفي، في تأكيده على الصلة بالقيادة السياسية في البحرين، والتمسك بالثوابت الوطنية، وأهمية تعزيز العلاقة بين الشعب وبيت الحكم. معتبرا أن "كل هموم شعب البحرين ليست كبيرة على إرادة جلالة الملك، وليست كبيرة إرادة صاحب السمو الملكي رئيس الوزراء، وسمو ولي العهد، وليست كبيرة على إرادة كل القائمين على شؤون الوطن".

4.  النقاش الشفاف حول كثير من القضايا السياسية والأمنية والاقتصادية والدينية، الذي دار بين رئيس الوزراء والسيد الغريفي. وهو الحديث الذي كشف جانبا من تفاصيله السيد الغريفي تاليا.

5.  الزيارة جاءت بعد رسالة الشكر التي بعثها السيد الغريفي لملك البحرين حمد بن عيسى، بعد الأمر الملكي بتثبيت جنسية 551 محكوما، صدرت بحقهم أحكام بإسقاط الجنسية. وهي خطوة كان لها أثر مباشر على عائلات المحكومين وذويهم. 

العوامل السابقة مجتمعة، جعلت العديد من النخب الوطنية، تدفع باتجاه دعم هكذا لقاءات، خصوصا أنه اللقاء العلني الأول منذ فترة طويلة، بين شخصية سياسية رفيعة كرئيس الوزراء، وقيادة دينية مؤثرة مثل السيد الغريفي.

لماذا الغريفي؟

     السيد عبد الله الغريفي، ورغم علاقته الوطيدة بالمعارضة في البحرين، إلا أنه امتاز بالاستقلالية في العمل الديني والسياسي، ورفض الخطابات العنيفة، أو استخدام القوة من أي طرف، وتجاه أي جهة كانت.

     الغريفي، وفي منهجه السياسي، هو من دعاة التواصل والحوار، ومن المؤمنين بأهمية تعزيز انتماء الشيعة العرب لأوطانهم، بعيدا عن أي علاقات عابرة للحدود. ساعيا لترسيخ الأواصر بين مكونات المجتمع المذهبية بعضها البعض، وتوطيد الصلات بين المجتمع الشيعي بأطيافه المختلفة ومؤسسة الحكم في البحرين، إيمانا منه بأن أي خلل في هذه العلاقات لن يكون في صالح استقرار الدولة وسلمها الأهلي، وسيكون ضرره جسيما على المواطنين.

     هذه الرؤية التي لدى الغريفي، ليست مجرد تكتيك مرحلي، بل هي منهجية جاءت بعد خبرة سنوات من العمل، وتبصر في تجارب الحركات الإسلامية في المحيط العربي. وهو في ذلك، يختلف عن عدد من القيادات الدينية التي تؤمن بالمواجهة المباشرة، أو تلك التي تتبنى نظرية ولاية الفقيه!.

الجدل بعد اللقاء!

     اجتماع رئيس الوزراء الأمير خليفة بن سلمان، بالسيد عبد الله الغريفي، أثار جدلا كبيرا، وخصوصا بين أوساط جمهور المعارضة وقياداتها، التي انقسمت بين مؤيد ومعارض ومتحفظ.

     شخصيات مثل الوزير السابق السيد مجيد العلوي، وعضو مجلس الشورى السيد ضياء الموسوي، وحتى شخصيات معارضة مثل إبراهيم شريف، وسواهم الكثيرين، أيدوا اللقاء، واعتبروه يفتح جسرا للحوار بين مؤسسة الحكم والشخصيات الدينية والوطنية، وشاركهم في ذلك قيادات في جمعية "الوفاق"، التي تم أصدرت محكمة التمييز في فبراير 2018، حكما تأييدا بحلها.

     من جهته، كتب الصحافي جعفر الجمري، نحو 14 تغريدة، أعرب فيها عن احترامه ودعمه لخطوات السيد الغريفي. 

     هذا التأييد الواسع، الذي امتد حتى لشخصيات شيعية في الخليج، دليل على رغبة جامحة لدى جمهور واسع في خلق مناخات صحية، بعيدة عن التشنج والطائفية والانعزال، وطي صفحة المشكلات التي أعقبت العام 2011، وحل المشكلات التي أنتجتها، والبدء في خطوات عملية، تحت سقف الدولة، تمنح الجميع الفرص المتكافئة، على أساس المواطنة، والمساواة، وسيادة القانون.

     وبحسب مصدر عراقي موثوق، فإن المرجعية الدينية في النجف، وتحديدا مكتب آية الله السيستاني، تؤيد المسلك التواصلي الذي ينتهجه السيد الغريفي، وتدعمه في خطواته.

     قبل ذلك، نشطت أصوات في شبكات التواصل الاجتماعي، تتهم الغريفي بـ"خيانة دماء الشهداء"، وكالت له الشتائم، واعتبرته ليس مخولا بالحديث باسم "الشعب"!. 

     هذه الأصوات بعضها بأسماء مجهولة، وبعضها الآخر ينتمي للفريق المتشدد من المعارضة. وهو فريق يفتقد للرؤية والخبرة السياسية، وليس لديه أي مشروع للإصلاح أو التنمية، ويتخذ مواقفه بناء على ردود الأفعال. وبسبب ذلك، جر كثيرا من الخيبات، وعمق العديد من المشكلات، التي كان بالإمكان حلها. إلا أنهم بمواقفهم العبثية، اختطفوا الشارع نحو العنف والمواجهة الدموية!.

     موقف التيار الراديكالي في المعارضة، يتوافق مع موقف "الطائفيين" و"الانتهازيين" في الموالاة، الذين يريدون لمبادرات الغريفي أن تسقط، وأن لا ترى النجاح. فكلا الفريقين يسعون لإفساد أي علاقة جيدة بين المواطنين الشيعية ومؤسسة الحكم.  

بيان الشيخ قاسم

     الشيخ عيسى قاسم، يعد أحد أبرز قادة المعارضة البحرينية، وهو من مدرسة سياسية، تختلف في كثير من تفاصيلها عن مدرسة السيد عبد الله الغريفي، وإن تقاطع الإثنان في بعض الخطوط العامة.

     قاسم الذي يقيم في إيران، بعد أن أسقطت منه جنسيته البحرينية، أصدر بيانا، جاء بمثابة رفع الغطاء عن خطوات الغريفي.

     بيان الشيخ قاسم، وإن وجه تحية للغريفي، إلا أنه عمليا يقف في الطرف الآخر، ضد مبادرته.

     من يقرأ بيان الشيخ عيسى قاسم، يجد أنه أشبه بالمتاهة اللغوية والسياسية، التي لا تقدم حلا للأزمة، أو تصورا واقعيا لكيفية صياغة العمل السياسي. وبالتالي، هو بيان يعمق المشكلات، ويكرس الوضع القائم، دون أن يقترح أي أفكار عملية!.  

     كان بإمكان الشيخ قاسم أن يلتزم الصمت، أو يعلن عن رأيه دون أن يُسقط مبادرة الغريفي. إلا أنه اتخذ الخيار الأسهل، الذي يتماشى والخطابات الجماهيرية العامة، التي هي مجرد انفعالات، تسبق فيها العاطفة التفكير العقلاني المتأني!.

موقف الوفاق

     أثناء زيارة الأمير خليفة بن سلمان، للسيد عبد الله الغريفي، كان من ضمن المستقبلين له، النائب السابق في البرلمان البحريني عن جمعية "الوفاق"، خليل مرزوق.

     وبعد الزيارة، غردت شخصيات وفاقية، تأييدا لها، من ضمنهم: هادي الموسوي، مجيد ميلاد، جميل كاظم.. رغم أن حساب "الوفاق" على منصة "تويتر"، لم ينشر أي بيان أو تعليق على الزيارة، في الوقت الذي نشر فيه تفاصيل كاملة عن بيان الشيخ عيسى قاسم!.

     مجيد ميلاد في تغريدات لاحقة، وعلي الأسود في لقاء مع فضائية "الميادين"، سعيا إلى التوفيق بين خطوات الغريفي وبيان قاسم. فيما حقيقة الأمر التي يعيها كلاهما، أنها مجرد محاولة لإقناع الرأي العام، وجمهور المعارضة، والحفاظ على تماسك الصف.

     ليس سرا أن هنالك تباين بين شخصيات "الوفاق"، في تقييم الأداء السياسي للمرحلة السابقة. وجزء منه تباين بين قيادات الداخل والخارج، وبين القيادات ذات التوجه المدني، والأخرى الدينية.

     في حديثين سابقين لي، قبل أكثر من 7 سنوات، مع الأمين العام لـ"الوفاق"، الشيخ علي سلمان، والنائب خليل المرزوق، تناولت معهما بالنقاش أهمية أن تستقل الجمعية في مواقفها السياسية عن آراء الشيخ عيسى قاسم، وأن تخرج من عباءته الروحية، وأن تتحول إلى جمعية ذات بعد مدني. 

     إن إحدى أكبر معضلات "الوفاق"، هي ارتهان كثير من قياداتها لـ"أبوية" الشيخ عيسى قاسم، واحترامها المبالغ فيه لآرائه السياسية ومواقفه الدينية.

     جميع الشخصيات الدينية والوطنية لها تقديرها، ولا يمكن تجاهل أدوارها السابقة في الحفاظ على سلامة المجتمع. إلا أن هذه الشخصيات ليست معصومة أو مقدسة، ويجب أن تخضع آراءها للنقد والنقاش. 

     آن الأوان لقيادات "الوفاق" أن تعيد تقييم تجربتها، وتتجاوز قلق وسلبيات المرحلة السابقة، وتتخفف من التزاماتها بمواقف الشيخ عيسى قاسم، دون أن تدخل في صدام مباشر معه. وتأخذ المبادرة في صياغة خطاب وطني تصالحي جامع، نحو علاقة مبنية على الثقة والاحترام مع مؤسسة الحكم والقيادة السياسية.  

أفق المرحلة

     هنالك الكثير من العقبات التي ستواجه السيد عبد الله الغريفي، والشخصيات الوطنية التي تتبنى خطاب الحوار والتواصل، فطريقهم لن تكون مفروشة بالورود!. وهذه العراقيل ستضعها أكثر من جهة. إلا أن مصلحة البحرين، قيادة وشعبا وحكومة، تقوم على المضي قدما في إجراءات بناء الثقة، وتدوير الزوايا، ومراكمة الإيجابيات، ونبذ خطابات الطائفية والكراهية.

     لقد كانت المواقف الشعبية جلية لمواطني البحرين، بمختلف مكوناتهم المذهبية والثقافية، عندما أعلنوا دعمهم الواضح والصريح لاستقلال البحرين، وهي ذات المواقف التي أيدت المشروع الإصلاحي للملك حمد بن عيسى آل خليفة، وصوتت لصالح "ميثاق العمل الوطني" العام 2001، وساهمت في بناء البلد وتنميته. والبحرينيون رغم ما مر عليهم من مشكلات أمنية وسياسية واجتماعية، إلا أنهم قادرون على تجاوز سلبيات الماضي. فهم يدركون أن الحل يكمن في الحوار لا القطيعة، وفي الحفاظ على السلم الأهلي، والمزيد من التواصل بين القيادة السياسية والشخصيات الوطنية ومؤسسات المجتمع المدني.