قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

يدرس هذا الكتاب "البنية والدلالة في الرواية.. دراسة تطبيقية" للناقد د.محمد نجيب العماميأستاذ الأدب والنقد بجامعة القصيم، البنية والدلالة في رواية قصيرة صفحاتها خمس وثمانون من القطع المتوسّط هي رواية "مراتيج" للتونسية عروسيّة النالوتي، وقد لفت المؤلف إلى أن ما شجعه على اختيارها ما بدا له فيها من طرافة في مستويي الشكل والمضمون، وقال "هذا علاوة على سبب ذاتي. فنحن لا نشعر، ونحن نقرأ "مراتيج"، أنّ شخصيّاتها غريبة عنّا بل يبدو لنا أنّنا "عرفنا" هذه الشخصيات حين كنّا طلبة في كلية الآداب والعلوم الإنسانيّة بتونس".
وأضاف "أنّ مضامين "مراتيج" يمكن أن نجدها في أشكال تعبيريّة أخرى. ولذلك سيكون اهتمامنا بما يؤسّس خاصّةَ هذه الرواية. ونعني بنيتها التي ستكون مدخلنا إلى المضامين. فالبنية، أي شبكة العلاقات القائمة بين العناصر المكوّنة للرواية، تمكّننا من وصف العمل من الداخل وتجنّبنا الإسقاط. وحتّى لا تكون دراستنا شكلانيّة صرفا ارتأينا دراسة الدلالة. ونعني بها، أساسا، دلالة البنية. وهي دلالة تسمح لنا بمحاورة النصّ وتلافي التماهي معه والذوبان فيه. فلا تكون القراءة جديرة بهذا الاسم إلاّ إذا تمكّن القارئ، في لحظة مّا من لحظات مقاربة النصّ، من رسم مسافة بينه وبين هذا النصّ تتيح له محاورته ومساءلته اعتمادا على بنيته وما يتضمّنه من مصرّح به ومسكوت عنه".
ورأى المؤلف أنه في مستوى البنية جمعت "مراتيج" بين أساليب الرواية الواقعيّة وأساليب رواية تيّار الوعي. فالراوية مثلا عليمة بالظاهر والباطن، لا تستنكف من التدخّل أحيانا معلّقة على الأحداث أو متأمّلة فيها. واختارت أن تجذّر أحداث روايتها في الواقع. فأدارتها في أماكن وجودها في الواقع المرجعيّ سابق لوجودها في النّصّ الرّوائيّ أي أنّه يمكن التّثبّت من وجودها خارج النّصّ كجزيرة جربة وتونس العاصمة وباريس. وأجرتها في أخرى مشاكلة لأمكنة المرجع الكائن خارج اللّغة. فللأولى من الثّانية الأشكال والمعمار والأثاث والوظائف (أمكنة للدّراسة أو العمل وأخرى للتّرفيه وثالثة للنّوم...). واختارت أزمنة شبيهة بتلك التي يوقّت بها البشر أحداثهم كمنتصف اللّيل والصّباح والمساء. وانتقت شخصيات لها من بشر الواقع الأسماء (المختار والهادي وجودة وستوليرو...) والجنس (ذكور وإناث) والسنّ (أطفال وشباب وكهول وشيوخ) والنّشاط الاجتماعيّ (طلبة وبحّارة وأصحاب مقاه وكاتب دولة...) والعلاقات (حبّ وصداقة وعداوة...) والتّراتب (عمّال وأعراف وطلبة...).
وقال " ولكنّ الرّاوية لم تسع فقط إلى محاكاة الواقع الخارجيّ بل أولت أهمّيّة للعالم الدّاخليّ للشّخصيّة. فمتّعت المختار بالحوارين الدّاخليّ والذّاتيّ. فأثّر هذا الاختيار في البنية الزّمنيّة للأحداث. فتداخلت الأزمنة من ماض وحاضر ومستقبل. وتعدّدت مراكز القصّ. فتفرّعت من القصّة الأصليّة قصص فرعيّة برعت الكاتبة الرّاوية في ربطها بالمستوى الأوّل من القصّ. ورغم أنّ الشّخصيات تتحرّك في أمكنة واقعيّة مرجعيّة أو أمكنة مشاكلة لها فإنّ الرّاوية حمّلت هذه الأمكنة دلالات نفسيّة واجتماعيّة وحضاريّة لم تكن لها في الأصل. إلاّ أنّها حدّت من استقلاليّة هذه الشّخصيات عنها. فصيّرتها، في أغلب الأحيان، مجرّد أصوات باهتة لها. وهو ما تعترف به الكاتبة بصفة ضمنيّة في قولها: "اكتشفت أنّ الشّخصيات طارت بأجنحتها ورفضت الشّكل المحدّد الذي ضبطته لها. فتولّد عن ذلك صراع بيني وبين شخصيات روايتي جعلني منهكة طيلة مدّة التّأليف". وهذا "الصّراع" بين الكاتبة وشخصيات روايتها يفسّر بتغليب جانب السّيرة الذّاتيّة والخطاب الإيديولوجيّ الذي تجلّى في أشكال عديدة وبصفة مكشوفة. وقد أشار الأستاذ توفيق بكّار إلى هذه الظّاهرة التي تكاد تكون مشتركة بين روائيّينا والتي جعلتهم لا يبدعون، حسب رأيه، رواية عظيمة. يقول: " إنّ غلبة الخطاب الإيديولوجيّ على الإنتاج القصصيّ في تونس يضفي عجزا عن تفسير الواقع واستيعابه. ويدفع الكاتب إلى التّجريد وإسقاط الإيديولوجيا على الواقع بدل فهمه من الدّاخل". وتجلّى الأثر السّيّئ للخطاب الإيديولوجيّ الصّريح وللرّغبة الجامحة في تبليغ الرّسالة في النّهاية التي تعدّ من المواطن الاستراتيجيّة في النّصّ الرّوائيّ عموما. فأقحم فيها الملحق الخاصّ إقحاما. فكان نشازا أخلّ بالنّاحية الفنّيّة الجماليّة في الرّواية. فبقدر ما كانت البداية موحية ومعبّرة ودالّة على جهد كبير بذلته الكاتبة كانت النّهاية دليلا على أنّ الكاتبة لم تحسن ختم روايتها. وإلى ذلك فقد أثّر الخطاب الإيديولوجيّ في لغة القصّ فجاءت الكلمات محيلة إلى أشياء خارج ذاتها. ولكنّ هذا لا يعني أنّ الرّواية خالية من الصّور اللّطيفة في مواطن رثاء الذّات خاصّة. ولم تخل الرّواية من رموز لكنّ الكاتبة لم تحسن دوما التّعامل معها. فالرّمز سرعان ما يُفسّر ويُوضّح. فتبلغ الرّسالة. ولكنّ القارئ يُحرَم لذّة الاستكشاف التي تعقب البحث العسير.
وأوضح أن الرواية في مستوى الدّلالة لا تنكر صلاتها بالواقع الاجتماعيّ في تونس رغم أنّ هذا الواقع يبدو لأوّل وهلة شبه مغيّب. فالأحداث الحاضرة تجري في باريس، بعيدا عن تونس. إلاّ أن اختيار سنة 1968 بداية لنشاط المختار السياسي وسنة 1978 تاريخا لنهاية هذا النّشاط المحاصر في طرفيه بالفشل يدلّ على أنّ مسيرة المختار، بطل الرّواية، غير منفصلة عن مسيرة المجتمع، هذا المجتمع الذي عاش أزمة خانقة في 1968 أدّت إلى انهيار نظام التّعاضد في نهاية السّنة الموالية. فأقحم في تجربة اقتصاديّة مغايرة كانت أحداث 26 جانفي 1978 إحدى محطّاتها الدّامية.
وبذلك تكون "مراتيج" منتمية إلى صنف من الرّوايات استمدّت مادّتها الأساسيّة من أحداث 26 جانفي. ولم يقتصر الأمر على الرّواية بل تعدّاها إلى سائر فروع الأدب. وفي هذا الصّدد يقول جان فونتان: "كان للأحداث الدّمويّة التي عاشتها تونس منذ عشر سنوات دور كبير في نضج الأدب والمجتمع". إلاّ أنّ ما يميّز "مراتيج" خاصّة هو تركيزها لا على السّلطة بل على المثقّف الماركسيّ تحاسبه وتحمّله مسؤوليّة فشله في إيجاد ضرب من التّواصل الفعّال مع المجتمع. وقد حاولت، وهي تنقد، أن تقترح البديل متمثّلا في أسس ينهض عليها العالم الجديد الذي نادت به.
وأشار المؤلف إلى هذا الموقف الفكريّ الواضح ولّد لدى الدّارسين مواقف تتراوح من التّأييد إلى التّنديد. وذلك حسب قرب هؤلاء الدّارسين من إيديولوجيا الكاتبة كما تجلّت في النّصّ أو بعدهم عنها. فجان فونتان مثلا يرى أنّ "هذا الكتاب "مراتيج" ناجح في أسلوبه الواضح ثمّ في إدخاله عناصر التّراث الذّاتيّة وأخيرا في إشارته إلى فشل الأدلجة اليساريّة" بينما يقول محيي الدّين حمدي: "لعلّ الكاتبة تنسّق آراء طائفة من فئتها عدلت في نهاية السّبعينات عن سيرها المتعارف المضادّ للشّائع لتنسجم مع المألوف وتمجّد مكوّناته وتستحضر الماضي الرّوحانيّ الذي يزيّنه الخيال المصدوم بخيبات الحاضر وتجارب التّمرّد الأهوج، إنّ عروسيّة النّالوتي سلفيّة الرّؤية في روايتها إذ هي تهدم حقائق العقل لإقامة حقائق الوهم. إلاّ أنّه تبيّن لنا أنّ الكاتبة تبحث عن بديل على حدّ تعبير الأستاذ طرشونة. وكان بحثها بحثا عسيرا صادقا ومتعثّرا أحيانا إن في مستوى البنية وإن في مستوى الحلول التي اقترحتها للقضايا المطروحة في النّصّ. وهذا البحث يماثل إلى حدّ كبير بحث جيلها عن تحقيق ذاته، هذا الجيل الذي اكتوى ولا يزال بنار الغرب الرّابض في عقله ووجدانه. وهو يماثل بحث المجتمع التّونسيّ بل والعربيّ عن مكان تحت الشّمس التي يبدو أنّها ترفض أن تسطع حيث يفترض أنّها تشرق. ولذا فلا عجب أن تطرح في الرّواية تلك الإشكاليّات المستعصية التي يحاول المجتمع حلّها كإشكاليّات الشّرق والغرب والهويّة والأصالة والمعاصرة والإسلام والسّياسة.
وخلص المؤلف إلى إنّ عروسيّة النّالوتي، رغم بعض العثرات، تبدو لنا من خلال أوّل رواية أن لها صوتا روائيّا واعدا نأمل أن يزداد وضوحا ورسوخا في عالم الرّواية العربيّة. ترى هل سيتحقّق الأمل؟ و"هل ستزيد في التّوغّل في المجتمع فتنتقل نهائيّا "من أفق إنسان واحد إلى آفاق جميع النّاس" على حدّ تعبير الشّاعر الفرنسيّ بول إيلوار ؟".