في بيروت صدر كتاب للناقد والمفكِّر العراقي د.رسول محمَّد رسول (التفلسف النقدي.. إمانويل كانط والعرفة البديلة) عن منشورات ضفاف في بيروت، ومنشورات الاختلاف في الجزائر، ومنشوران الأمان في الرباط، ودار كلمة في تونس. وهو كتاب يضم مقدمة وستة فصول تعود بنا إلى مفاصل فلسفة كانط كان المؤلف قد كتبها بين عامي 1993 – 1994 كجزء من متطلبات حصوله على درجة الماجستير في الفلسفة الألمانية من كلية الآداب - جامعة بغداد، وهو من الدراسات الكانطية الرائدة في العراق حيث لم يسبق لأي باحث عراقي أن انفرد بكتاب يتناول فلسفة إمانويل كانط.
يقول د.رسول "مهما اتسع مجال الدراسات الفلسفية في نظرية المعرفة، فإنه يحتاج دائماً إلى إعادة في النَّظر التفكُّري من جديد؛ ذلك أن المعرفة الفلسفية تنطوي أبداً على إمكانية التفسير والتأويل أكثر من غيرها مقارنة بأنواع المعارف الأخرى. وإذا كان هذا الأمر ينطبق على الفلسفة عامّة، فإنه ينطبق أيضاً على بعض الإسهامات الفلسفية التي تُعد فواصل واستئنافات معرفية مُهمة في تاريخ الفلسفة خاصَّة، ومنها (الفلسفة الكانطية) في مهدما الأول لدى الفيلسوف الألماني إمانويل كانط.
ويضيف "لقد كان للفلسفة الكانطية أثرها الكبير في مجال (الميتافيزيقا) كونها أعادت النَّظر في أبنيتها وأدوارها، وسعت إلى إعادة تشييدها وفق رؤية جديدة، لكن الأثر الذي لا يقل أهمية إنما يكمن في (نظرية المعرفة الكانطية)، التي توصف بأنها (نقديَّة)؛ فلقد دشَّن كانط مرحلة جديدة في هذا المجال عبر تقديمه تفسيراً مغايراً يطوى بين جناحيه ما توصَّل إليه الفلاسفة من قبله، خصوصاً أصحاب الاتجاه العقلي، ومنهم: رينيه ديكارت (1596- 1650)، وجوتفريد ليبنتز (1646 - 1716)، وكرستيان فولف (1679 - 1754)، وأصحاب الاتجاه التجريبي، ومنهم: جون لوك ( 1632- 1704)، وديفيد هيوم (1711 - 1776)، فضلاً عدد من الفلاسفة الألمان الآخرين أمثال: كريستين أوغست كروسيوس (1712 - 1775)، وداريس &(1714 - 1772)، وجوهان هنريخ لامبرت (1728 - 1777)، وأغلبهم عاشوا وكتبوا قبل كتابات كانط".&
ومن هنا يستعرض المؤلف الأفكار الفلسفية التي قدَّمها الفلاسفة قبل كانط في نظرية المعرفة، ويتوقف عند الإرث النَّقدي الذي صاغ كانط وفقه عناصر نظريته في المعرفة النَّقدية، وهذا ما تضمَّنه (التمهيد) الذي تصدَّر كتابنا المتواضع هذا.
وبحسب فصول الكتاب الستة، تقوم نظرية المعرفة النَّقدية لدى كانط على عنصرين، بل مَلَكتين تتكاملان في توليد المعرفة النَّقدية، وهما: ملكة الحس/ الإحساس أو (الحساسية) Sensibility، وملكة الفَهم أو (الفاهمة) Understanding. ويرى د.رسول "أن كل واحدة من هاتين الملكتين ينطوي على عناصر إنْ هي إلاّ قيمة أساسية لأي معرفة ممكنة. ولهذا، تتضّمن ملكة الإحساس صورتين قبليتين هما المكان والزمان".
&وقد تناول في الفصل الأول أثر المكان المتداخل في هذه الملكة من خلال استعراض دلالة (المكان) كمفهوم فلسفي لدى الفلاسفة قبل كانط. ولما كانت فلسفة هذا الأخير قد تطوَّرت خلال مرحلتين أو أكثر من ذلك، فإن المرحلة النَّقدية تفصل بين مرحلة سابقة وأخرى لاحقة في حياة كانط ومشروعه الفلسفي".
&ومن هنا أيضاً، وجد الباحث من المناسب تحديد دلالة مفهوم كانط لـ (المكان) في المرحلة قبل النَّقدية وبعدها، وهو ما يمثل جوهر فهمه باعتباره مفهوماً قبلياً محضاً يُعد شرطاً من شروط الحس أو الإحساس أو الحدْس الحسي.
إلى جانب المكان، تناول د.رسول في (الفصل الثاني) دلالة مفهوم (الزمان) في الفكر الفلسفي الغربي الحديث قبل كانط، وموقف الأخير من الفلاسفة قبله، ونقده لمفهوم إسحق نيوتن (1642 – 1727) وليبنتز، ثم الوقوف عند العَرضين، الميتافيزيقي والترْسندالي أو (المجاوز) للزمان حسبما يراهما كانط في فلسفته لنظرية المعرفة النَّقدية.
مع (الفصل الثالث)، يدخل البحث في هذا الكتاب إلى مرحلة النَّظر التفكُّري في (ملكة الفهم أو الفاهمة)، فكان لا بدَّ من تحديد دلالة الفهم أو الفاهمة، وبيان أثرها في نظرية كانط الخاصَّة بالمعرفة النَّقدية التي كان يأمل تكوينها، ومن ثم الكشف عن العلاقة فيما بين ملكة الفهم، من جهة، و(الأحكام) من جهة أخرى؛ فالمعرفة، في نظر كانط ورؤيته المعارفية أو الابستمولوجية، ليست انعكاساً للموضوعات المتأتية إلى فكرنا من الخارج بواسطة الانطباعات الحسية، إنما هي عبارة عن عملية حُكم يصدره فهمنا على الموضوعات والأشياء.
إن لائحة الأحكام عُدَّت، من وجهة نظر كانط، وبحسب المؤلف الأساس الرُّباعي الذي صنَّف عليه لائحة المقولات. لهذا، تناولت في (الفصل الرابع) علاقة المقولات بالأحكام، وتبينّتُ العلاقة بين مقولات كانط ومقولات أرسطوطاليس، وحدَّدت الخصائص التي تتميز بها مقولات الأول على الثاني، وانتهيت إلى تحديد دور المقولات في ملكة الفهم، وكذلك تالياً في بناء المعرفة النَّقدية في ثوبها الكانطي. &
إن العلاقة بين عناصر الحساسية أو عناصر عوالم الحس والإحساس، أي المكان والزمان بوصفهما حدوساً حسية، وبين المقولات والأحكام من قبل، هي علاقة لما تزل غامضة، بل غير ممكنة ما لم تتوافر بعض المقاربات التي توصل هذه العلاقة بين الطرفين. وبناء على ذلك، درس رسول في (الفصل الخامس) عدداً من المفاهيم الأساسية في هذا المجال مثل مفهوم (الربط أو التأليف)، ومفهوم (وحدة الإبصار التأليفية)، ومفهوم (المخيِّلة)، ومفهوم (الرُّسوم أو الخطاطات أو الشَّيمات)؛ حيث إن هذه المفاهيم تُعد، من وجهة نظر كانط، أدوات للتوصيل بين مَلكتي الإحساس والفهم، أي بين المكان والزمان والمقولات والأحكام في عالم الذهن والعقل.
ومع هذا، لم تكن هذه المقاربات، وبحسب المؤلف، كافية أيضاً لخلق معرفة نقديَّة ممكنة من حيث ارتباطها بالعالم الموضوعي؛ عالم الأشياء والموضوعات، وأيضاً وعالم الفهم وعالم المفاهيم القبلية والمجرَّدة. وهذا ما كان مُسوِّغاً لي لأبحث مع كانط، وفي (الفصل السادس) من هذا الكتاب، عمّا يجعل كل هذه المفاهيم تضم إمكانية الانطباق على الموضوعات والأشياء؛ فلذلك لجأ رسول إلى العرض التفكُّري للمبادئ التركيبية القبلية المحضة التي تسمح بانطباق مفاهيم الإحساس ومفاهيم الفهم القبلية المحضة على مُعطيات العالم الموضوعي انطباقاً من شأنه توليد معرفة نقديَّة ممكنة قبلياً، وهذه المبادئ هي: (مبدأ مسلَّمات الحدْس)، و(مبدأ استباقات الإدراك)، و(مبدأ تمثيلات التجربة)، و(مبدأ مُصادرات الفكر التجريبي).
لقد اعتمدت نظرية المعرفة النَّقدية لدى كانط، وكما يقول د.رسول في مقدمة الكتاب، على الإرث النَّقدي الذي دشَّنه عدد من الفلاسفة &قبله، وقد حاول في تفكُّره لبناء نظريته النَّقدية أنْ يتجاوز الأزمة التي وقعت بها التجريبية النَّقدية لدى جون لوك، والمثالية الاحتمالية أو الإشكالية لدى رينيه ديكارت، بل والمثالية الدغمائية لدى جورج باركلي.&
ويضيف د.رسول: "لقد استطاع كانط أن يتجاوز الأزمة التي تهاوت بها الفلسفات واحدية الاتجاه كالفلسفة التجريبية، والفلسفة العقلانية كلاً على انفراد في التوصُّل إلى صياغة تركيبية تكاملية يتواشج فيها الحس مع الفهم على نحو مقبول لتوليد المعرفة تواصلاً دقيقاً مُحكم البناء، مما أضفى على فلسفة كانط في المعرفة النَّقدية قيمة تأريخية مُهمة في مجال الفلسفات الحديثة".
لقد اعتمد الباحث في هذا الكتاب على عدد من المصادر الرئيسة التي تدخل في صميم فلسفة كانط الابستمولوجية أو المعارفية، خصوصاً كتابه (نقد العقل المحض)، إذ عمد كانط فيه إلى حصر الأفكار الأساسية لنظريته المعرفية النَّقدية في القسم الأول منه، وفي الكتابين، الأول والثاني من الكتاب نفسه. أما ما وضعه في كتبه السابقة وكتبه اللاحقة فهو مقدِّمات ابتدائية أو شروح متأخرة لما وجدناه في كتابه (نقد العقل المحض) سوى بعض التغييرات الأسلوبية التي ظهرت في كتابه (مقدِّمة لكل ميتافيزيقا مُقبلة).
ويلفت د.رسول: "إن ما تسعى له هذه فصول هذا الكتاب، إنما هو بيان الكيفية التي يفسِّر بها كانط أصل المعرفة وطبيعتها ومصدرها ومآلها، ومن ثم، الكشف عن العناصر المقوِّمة لهذا التفسير في سياق نصوصه ذاتها لأنّها الأكثر صدقاً في التعبير عن جوهر الموقف الكانطي من إشكالية المعرفة".&
لقد تم استخدام الطبعة الثانية من (نقد العقل المحض) في اللغات الألمانية والفرنسية، أما العربية فالمترجمة منها وهي التي احتوت على المقدِّمة الجديدة؛ ففي هذه الطبعة تمَّت الصياغة النهائيَّة لفلسفة كانط في المعرفة والميتافيزيقا. ومن ذي قبل كان القارئ العربي قد تعرّف على (نقد العقل المجرَّد) في الترجمة التي قدّمها الأستاذ (أحمد الشيباني) منتصف ستينيات القرن العشرين، إلاّ أن تلك الترجمة لم تكن لتفي بالغرض المنشود فجاء اعتمادنا على الترجمة الجديدة التي نهض بها الدكتور (موسى وهبه) من لبنان، ونشرت من جانب (مركز الإنماء القومي) في بيروت حتى كنا يومها 1993 - 1994 من أوائل الباحثين الذين أقبلوا على استثمارها في بحث علمي - أكاديمي يتقصَّد دراسة نظرية المعرفة في فلسفة كانط.&
بين هاتين الترجمتين، ترجمة الشيباني وترجمة موسى وهبه، توجد اختلافات في نقل وتعريب المصطلحات الكانطية في (نقد العقل المحض)، إلاّ أنَّ وتيرة الخلاف والاختلاف اتسعت عندما ظهرت الترجمة العربية الثالثة لهذا الكتاب، تلك التي نهض بها الدكتور (غانم هنا)، وصدرت عن المنظمة العربية للترجمة في بيروت عام 2013. ولكن يبدو للباحث أن ترجمة موسى وهبه الأولى للكتاب اتسمت بروح المغامرة المعرفية في حينها؛ حيث تجاوزت ترجمته الشائع والمعمول به من المصطلحات والحدود والرسوم الفلسفية في بعض الأحيان، فكان لنا أن نحاول تبسيط الترجمة لما غَمُض عبْر الموائمة بين الشائع من جهة، وما يقترب من الروح الكانطية من جهة أخرى، رغم أنَّ الطبعة الجديدة (الثانية) من ترجمة الدكتور موسى وهبه لـ (نقد العقل المحض)، والتي صدرت عن دار التنوير في بيروت عام 2015، ضمَّت، هي الأخرى، تغيرات عدَّة في نقل بعض المصطلحات الألمانية إلى مفردات عربية؛ فبعد تعريبه للمصطلح الألماني (Transzendental) إلى (ترْسندالي)، وهو الذي اعتمده رسول في كتابه هذا، بل وفي بقية بحوثه الأخرى عن المشروع الفلسفي الكانطي إلاَّ ما تُمليه ضرورات العيش المتنقِّل لنا في ديار الكون العربي، عاد الدكتور وهبه وترجمه في الطبعة الثانية إلى (مجاوز)، مُستبعداً الشائع في ترجمته إلى (متعال)، وصرنا في كتابنا هذا ننوِّه لذلك ليكون القارئ الكريم على دراية بالأمر.&
وبعد ترجمته للمصطلح الألماني (Transzendet) إلى (مفارق)، عاد الدكتور وهبه وترجمه إلى (المتجاوز) مُستبعداً الشائع في ترجمته إلى (مفارق). وفي السياق نفسه، كان وهبه قد ترجم من ذي قبل مصطلح (das Welbstbewustsein) الألماني إلى (أوتعاء)، لكنَّه صحَّح ذلك ليترجمه إلى (وعيان) بما يُعادل (وعي الوعي).&
وأيضاً، كان قد ترجم مُصطلح (Elementaleher) إلى (عناصر)، بيد أن ترجمته الجديدة لهذا المصطلح استقرت عند ملفوظ فلسفي عربي قديم يعود إلى القرن الثاني الهجري، ذلك هو (أسطُقسيات/ أسطُقس). وكان في الطبعة/ الترجمة الأولى من الكتاب نفسه قد استخدم ملفوظ (الإزكان) كترجمة لمصطلح (die Apprehnesion)، بيد أنه عاد وترجمه إلى (اللقف). ناهيك عن تغيرات أخرى لبعض الكلمات والعبارات المترجمة التي وردت في فقرات وجُمل وملفوظات بين فصول الكتاب.
إن البحث في الفلسفة الكانطية لهو الموسَّع الغني المغري أبداً، وذلك لما احتلته هذه الفلسفة من أهمية كبيرة في التأريخ الفلسفي الحديث. وما قدمه المؤلف هنا، لا يمثل سوى جانب من جوانب الفلسفة الكانطية، ولنا الطموح بأن يكون مسعانا القرائي هذا مقدِّمة لدراسات جديدة في فلسفة كانط.
&