قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك


عشية افتتاح معرض أبوظبي الدولي للكتاب 27 أبريل- 3 مايو 2016، أعلن مشروع "كلمة" للترجمة التابع لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة عن صدور ترجمة لأربع روايات لباتريك موديانو الفائز بجائزة نوبل للآداب لسنة 2014 باتريك موديانو، وهي " دفتر العائلة" و"من أقاصي النسيان" و" سيرك يمر" و"صِبْية طيّبون"، وقامت بنقلها للعربية المترجمة اللبنانية دانيال صالح، وكان المشروع قد أصدر في العام المنصرم ترجمة روايتين لموديانو، وتصدر هذه الترجمات جميعها ضمن سلسلة الأدب الفرنسيّ.
وقد أكد د.علي بن تميم، عضو مجلس إدارة هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة أنّ الهيئة شديدة الفخر بصدور هذه الترجمات للكاتب الفرنسيّ المتميّز، التي تأتي لتثري مخزون المشروع من كبريات الأعمال الفرنسية، الحديثة والكلاسيكيّة، وتعيد تسليط الأضواء على الترجمة الأدبيّة والفكريّة باعتبارها أحد أهمّ مصادر إغناء المكنون الثقافيّ والحسّ الجماليّ لقرّاء لغة الضادّ.
وأضاف بن تميم أنّ ما صدر من أعمال مترجمة عن مشروع "كلمة" في السنوات الأخيرة يثبت صواب خطّة المشروع ونجوع برنامجه الذي يستند إلى آليّات العمل الجماعيّ الخلّاق ويتوخّى الوصول بفنّ التّرجمة إلى مصاف عالٍ من الجَمال والدقّة وإمكان الوصول إلى مختلف فئات القرّاء.
ولفت بن تميم إلى أن اختيار الروايات والتفاهم على حقوقها مع ناشرها الفرنسيّ قد تم قبل الإعلان عن جائزة نوبل للعام الماضي بشهور، ثمّ جاء فوز موديانو بالجائزة ليؤكّد ضرورة ترجمته بهذا الزخم وبهذا التركيز على عدد من أهمّ أعماله وأكثرها انتشاراً.
وتتألّف أُولى روايات موديانو الأربع، "دفتر العائلة"، من خمسة عشر فصلاً وجيزاً يمكن قراءتها كما لو كانت قصصاً قصيرة مترابطة. هي خمس عشرة لحظة أو خمسة عشر وجهاً أساسيّاً تشكّل موجز سيرة ذاتيّة كتبها موديانو مراهناً على الكثافة، وعلى الإيحاء، مثلما فعل في "سلالة"، التي سبق أن أصدر ترجمتها مشروع "كلمة"، والتي تعاملَ فيها مع لحظاتٍ ووجوهٍ أخرى. على هذه الوجوه والأحداث والمفارقات ما فتئ الكاتب يلقي بصمات خياله الروائيّ، مموِّهاً هنا، ومضيفاً أو مُنقِصاً هناك، سعيَ مزيدٍ من الإضاءة والبوح. ما يتجلّى هنا هو تاريخ حقبة شكّلت بوتقة تجربة الكاتب الإبداعية أو مصهرها، هو االذي قال عن الحرب العالمية الثانية في إحدى محاوراته: "إنّها هي التّربة أو كومة السّماد التي طلعتُ منها".
الرواية الثانية، "من أقاصي النّسيان"، تحيل أجواؤها إلى سبعينيّات القرن العشرين، ما يعني أنّ "بطلها" السّارد ولدَ في عامٍ مقاربٍ لذاك الذي ولد فيه الكاتب. تتوزّع التجربة المرصودة هنا على ثلاث حلقات زمنيّة تغطّي ثلاثة أقسام روائيّة: ملاقاة السّارد لبطلة الرواية جاكلين بباريس، وانتقاله معها إلى لندن بحثاً عن سعادة ممكنة وافتراقهما، ثمّ تلاقيهما بباريس بعد سنواتٍ تمهيداً لفراق نهائيّ. هذا المسار الممضّ يلخّص بحثاً عن الصّنْو أو القرين محاطاً بعوائق من كلّ صنف، ولطالما قابله القارئ في أكثر من رواية لموديانو. وللتعبير عنه يتوسّل الكاتب بهذه التلاقيات العابرة بين كائنات يظهر الواحد منها للآخر كما لو كان هو قرينه المنتظَر ثمّ يختفي تاركاً وراءه أكثر من علامة استفهام، ومُفسحاً المجال إلى حنينٍ لا تخبو شرارته.
والرواية الثالثة، "سيْرك يمر"، شخصيّتها المحوريّة فتىً في الثامنة عشرة من عمره، تستجوبه الشرطة لسبب غير معلوم، وهو من يضطلع بالسّرد. في هذا السياق يلتقي بفتاةٍ خضعت للاستجواب بعده في مخفر الشرطة ذاته. انتظر خروجها منه ليتعرّف عليها. تنشأ بينهما علاقة، وعلى غرار أغلب شخوص أعمال الكاتب تنشأ لدى الشابّ رغبة في النّفاذ إلى صميمّة امرأة تقوده إلى العالم الأليف أو دنيا الأحياء. وهنا أيضاً، وعلى نحوٍ نقف فيه كلّ مرّة على تجديدٍ وتنويعٍ وإضافة، تزجّه العلاقة في عالمٍ يحفل بكائنات ملغزة ومناورات خفيّة.
تنحصر الأحداث في بضعة أيّام، يصفها الكاتب في فصول وجيزة. زمن السّرد يوقفنا على التجربة بعد وقوعها بعشر سنوات كما أسلفنا، وهو ما يسمح للسّارد، أي للكاتب، بإيقافنا على فنّه العجيب في معالجة أدنى التفاصيل والنظر إليها بعين الذكرى، دافعاً إيّانا إلى لعبة التساؤل الممضّ مثله. حتّى إذا أدركنا الخاتمة، وتيقّن البطل-السّارد من انهيار مشروعه في السفر بصحبة الفتاة، لا بل من انتفاء إمكان ملاقاتها من جديد، يعود له يقين الخسارة بنوع من الصفاء المُفارق والتحرّر الدّاخليّ.
الرواية الرّابعة، "صِبْية طيّبون"، هي من أكثر روايات باتريك موديانو ارتباطاً بالموضوعات أو الحركيّات الكبرى لمشروعه الإبداعيّ، ومن أكثرها بروستيّة، نسبةً إلى مارسيل بروست ومشروعه الرّائد في محاولة استعادة الزّمن الضّائع. بهذه الرّواية وبأعمالٍ أخرى مسكونة ببحثٍ مشابهٍ فرضَ موديانو نفسه باعتباره روائيَّ فردوس الطفولة المفقود. لا الطفولة المضاعة بمعناها المطلق، بل تلك التي يرتسم ضياعها على خلفيّةِ حربٍ عالميّة وأزمة اجتماعية وسياسيّة ضاغطة، ممّا يمنح عمل الكاتب أهمّية إبداعيّة وتاريخيّة في آنٍ معاً. هنا أيضاً تتنامى مأساة الهجران أو التخلّي، المصوّرة بتنويعاتها العديدة في نصوصه الأخرى وسِيرَتَيه الرّوائيّتين الصّادرتين أيضاً عن مشروع "كلمة"، "دفتر العائلة" و"سلالة". سوى أنّ المنظور يتّسع في الكتاب الحاليّ ليشمل جيلاً كاملاً، جيل رفاقه في أيّام الدّرس، يعود إليهم ليصورّهم في عالَم المدرسة الداخليّة، ثمّ يرينا ما آلوا إليه بعد عشرين عاماً. زملاء من جنسيّات وأصول شتّى، بينهم الفرنسيّ وبينهم الأمريكيّ الشماليّ، والأمريكيّ الجنوبيّ، والعربيّ والإيطاليّ وسواهم، يجمعهم كلَّهم كونُهم مهجورين، شبه منسيّين من قبل آباء أثرياء أو مدّعي ثراءٍ أو محتالين، مشبوهين عموماً، عهدوا بهم إلى المدرسة وغابوا عنهم. فترى هؤلاء الفتْية يسعون من خلال أنشطتهم اليومية وعلاقاتهم فيما بينهم ومع أساتذتهم إلى إنشاء عالمٍ بديل لا يُنسيهم لذعة الحرمان العائليّ، ولا يمحو عنهم دمغة النّكران يتعرّضون إليه بلا تبريرٍ وللا سبب.&
عُرف موديانو بكتابته الموجزة التي& تعمل بالإضمار والمحو، وتتضمّن شحنات عالية من الشِّعر. ويتبع موديانو اسلوب المزج بيت الأخيلة والذكريات، ويعيد تصوير التاريخَين الشّخصيّ والجماعيّ، رافضاً السقوط في منطق التوثيق المحض أو التسجيليّة السّافرة، ومتحرّراً من أسار الزمن الخطّي والنموّ المتتابع للأحداث. أبطال رواياته وقصصه منجرفون دوماً في تساؤل عن الهويّة والصراع الأليم مع الذاكرة، وفي محاولة شبه يائسة لإعادة تجميع عناصر ماضٍ لا يني يتفكّك دون أن يستطيعوا الوصل بين شظاياه المتناثرة. هذا كلّه مكّنه من أن يبني، بلغة شفّافة ومتميّزة بعباراتها القصيرة المتلاحقة، عالماً سريّاً وأليفاً في آنٍ معاً.
وحرصا على عدم الكشف كلّياً عن لغز التجربة في العمل الأدبيّ صرّح موديانو في حوار معه بمناسبة صدور روايته الأخيرة: "ينبغي ألّا نميط اللّثام عن اللّغز أبداً. وفي كلّ الأحوال، لا يقدر الكاتب على ذلك. فمهما عملَ على إضاءة اللّغز بتدقيق وتعمّق فهو لن يعمل إلّا على مفاقمته. لقد قال صامويل بيكيت عن مارسيل بروست، الذي لم يكن إلى حدّ ما ليقوم بشيء آخر سوى تفسير شخصيّات عمله، إنّه، بتفسيره لها، إنّما كان يُفاقم لغز كلٍّ منها ويحيله أكثر كثافة".
وباتريك موديانو ولد في بلدة بولوني-يّانكور قرب باريس في 30 يوليو 1945، وبرع منذ رواياته الأولى في تصوير الأفق الاجتماعيّ والسياسيّ المأزوم في فرنسا في السنوات التالية للحرب العالمية الثانية، وفي تحويل التجربة التاريخيّة إلى مأساة وجوديّة ضاغطة يعيشها أفراد محرومون من الإرث، ويفتقرون إلى أدنى المرتكزات، يحدوهم أمل جارف في تأسيس الذّات وتحقيق ما يكفي من الوضوح لإعادة ابتكار الحياة. تُوّج عمله بجوائز عديدة منها جائزة غونكور للرواية في 1978، وجائزة نوبل للآداب في 2014. وله أكثر من ثلاثين رواية ومجموعة قصصيّة.
أمّا مترجمة الروايات الأربع، دانيال صالح، فهي شاعرة لبنانية باللغة الفرنسية، ترجمت إلى العربيّة عشرات القصص القصيرة والقصائد، وساهمت في أنطولوجيا بالفرنسيّة لأعمال أنسي الحاج، وأعدّت وترجمت بالاشتراك مع شارل شهوان أنطولوجيا للقصّة القصيرة بعنوان "ثلاثون قصّة من الكوكب". من ترجماتها إلى لغة الضادّ "منصب شاغر"، أوّل رواية للكبار كتبتها ج. ك. رولينغ، مؤلّفة سلسلة هاري بوتر الشهيرة، و"بوتشان" للكاتب الياباني ناتسومي سوسيكي، و"فيضان ونصوص أخرى" لإميل زولا، وقد صدر الكتابان الأخيران وكذلك ترجمتها لروايتين سابقتين لموديانو عن مشروع "كلمة" للترجمة.
&