عادل فاخر من بغداد: حتى نهاية الثمانينات كان شارع النهر يمتد مترفا بمحلاته ورواده بين مقتربي جسري الأحرار والشهداء من جهة الرصافة.وكان محظوظا لأمتداده الذي يوازي معلمين من معالم بغداد هما شارع الرشيد شرقا ونهر دجلة غربا،ومتباهيا باريج التاريخ الطالع من زواياه.
شارع النهر أو شارع البنات أوشارع العرائس -كما يسميه البعض كان المكان الذي يمكن ان ترى فيه جمال المرأة العراقية واناقتها وطبيعة ذوقها، فهو اكبر سوق في العراق للملابس والأكسسوارات والحلي والمصوغات ، والأقمشة والمكياج والعطور ،بأختصار شديد كان نافذة المراة العراقية على الموضة العالمية ...
الحروب والحصارات منذ الثمانيات بدأت تأخذ من طراوة ومخملية هذا الشارع شيئا فشيئا، حتى بدا شبه مهجور لاتدل على صورته الماضية سوى بعض الأماكن التي تحفظ للشارع هيبته ،لكنها لاتسعفه لأستعادة ماضية ،بعد ان تقاسمت أرثه مجموعة شوارع واسواق في جانبي بغداد(الكخ والرصافة) من دون ان تباريه بصورته السابقة او مكانته.
ندخل الشارع من جنوبه جهة جسر الاحرار، لنجد محال صاغة المجوهرات والحلي الذهبية والفضية،وبعض محال الأنتيكات المجاورة لبناية غرفة تجارة بغداد التي تأسست 1926 ، وتعد هذه البنايةالقاسم المشترك بين الشارع ونهر دجلة حيث تطل واجهتا على الشارع وخلفيتها على النهر.
وما ان تنهي البناية حتى تتوالى امامك ماتبقى من محلات الملابس والأحذية والحقائب النسائية والمكياج.
شارع النهر شارع ضيق لاتسير فيه المركبات ولاتفصله عن نهر دجلة سوى العشرات من الأمتار تشغلها المحال والبنايات والخانات القديمة واحيانا تجد فسحات من الأرض تسمح باطلالة الشارع مباشرة على النهر ،وكذلك الحال مع شارع الرشيد الذي يعد اقدم شوارع بغداد.
كما قلنا السوق لم يعد كما كان فاغلب محلات الصاغة شغلتها مصانع صغيرة للحلى الكاذبة وبقايا من محلات بيع وصياغة الذهب التي يغلب على العاملين بها انهم من الصابئة المندائيين.
يقول السيد هلال زهرون صاحب احدى هذه المحالquot;لم يعد السوق كما كان عليه قبل اكثر من عشرين عاما لعدة اسباب منها الاوضاع الامنية المتدهورة في البلاد وما سبقها من حروب متتالية و الاهمال الذي عاناه منذ التسعينيات.quot;
ويستذكر زهرون الشارعquot;كان سوقا مزدهرا مشرقا خلال سبعينيات القرن الماضي، حتى خلال الثمانينيات كان افضل، فبرغم وجود الحرب لكن النساء كن كثيرات الشراء للذهب والمجوهرات لان دخل الفرد كان جيدا.quot;
ويضيف زهرونquot;ومعروف ان شارع النهر من الشوارع التي ترتادها النساء اكثر من الرجال،كن يرتادن الشارع وهن سافرات باجمل الازياء والموديلات الحديثة، وكان الرجال وخصوصا الشباب يأتون للمتعة برؤيتهن فيبدو ضاجا بالحياة.quot;
ويلي سوق الصاغة سوق (الحقائب والاحذية الجلدية) مع وجود معامل وورش لصنع هذه المنتوجات .
يقول ابو وسام( صاحب احد هذه المحال) انquot;اكثر بيعنا من الحقائب والجلود هو للمحافظات الجنوبية ومحافظات الوسط وبيعنا بالجملة لان في تلك المحافظات طلب اكثر من المستورد،و ان المتبضعين يطالبوننا بمواصفات معينة لصناعة هذه المنتوجات ونقوم نحن بتصنيعها على وفق ما مطلوب.quot;
وفي شارع النهر مساجد عديدة على طول الشارع ابرزها جامعquot; الباجه جيquot;الذي بني في ثلاثينيات القرن الماضي وقد كتب على بابهquot; الجامع مغلق لانه ايل للسقوطquot;،و جامع( التكية الخالدية)، وجامع (العادلية الكبير ) المجاور للبنك المركزي العراقي حيث تعد بناية البنك المركزي اعلى بناية في بغداد، وجامع(الخفافين)وهو من اقدم الجوامع في بغدادحيث يعود تاريخه الى نهايات العصر العباسي.
يقول السيد ابو حيدر (بائع عباءات في سوق الخفافين)quot;سمي الجامع بهذ الأسم نسبة الى سوق الخفافين الذي يقع فيه الجامع،وهو مكان صناعة الخفاف ومفردها خف وتعني (الحذاء).quot;
وفي وسط شارع النهر يقع البنك المركزي العراقي، اضافة الى فروع مصرفي( الرافدين) و( الرشيد) ومحال صيرفة ، وبورصة العملات التي تشكلت مطلع التسعينيات وهي تجمعات للمتعاملين بالدولار في وسط السوق.
يضم السوق مجموعة من الخانات القديمة ،ومفرده خان( وهي اماكن مبيت المسافرين قبل ظهور الفنادق) واغلبها تعود الى العصر العثماني، ومنها(خان دلة) و(خان الباجه جي) و(خان الخضيري) و(خان النملة) و(خان النبكة) وقد حولت جميعها الى محال تجارية لبيع الملابس.
يقول السيد حسن دويج صاحب احدى هذه المحالquot;كان الشارع يسمى شارع العرائس ايضا لان العروس تجهز من هنا كاملة؛ ملابس ومجوهرات ومستلزمات العرسquot;
وبعد سوق الملابس يأتي سوق دانيال وقد سمي بهذا الأسم نسبة الى اول من باع به وهو يهودي عراقي يدعى دانيال، وهذا السوق متخصص ببيع لوازم الخياطة كافة، والى جانبه سوق لبيع الاقمشة النسائية والرجالية .
وعن تسمية شارع النهر ب(النهر) اتفق اكثر التجار القدامى في الشارع على ان تسميته جاءت من محاذاته لنهر دجلة الا ان السيد مراد توماز( تاجر ملابس قديم) قالquot; الكرخيون هم الذين اطلقوا هذه التسمية عليه لانهم كانو ياتون عبر الزوارق المسماة ب( الدوب) وعندما يسألونهم الى اين ذاهبون يقولون الى شارع النهر وهكذا اكتسب هذا الشارع تسميته.quot;
وفي وسط سوق القبلانية الذي يأتي بعد سوق دانيال يوجد مرقد الشيخ علي بن محمد السمري وهو احد سفراء( الامام المهدي المنتظر)و وهو مزار يؤمه الكثير من الناس ولكن من الخارج وذلك لصغر وضيق مكانه.
وبين سوق دانيال وسوق القبلانية توجد محال صغيرة جدا لروافي الملابس والعباءات المتشققة ومع هذه المحال محال اخرى لبيع العباءات الرجالية العربية.
وينتهي شارع النهر قبل ان ينفتح على مقترب جسر الشهداء من ناحية الشمال بالمدرسة المستنصرية التي بناها الخليفة العباسي المستنصر بالله في سنة (625 هجرية اي سنة 1227 ميلادية)

أصوات العراق