إيلاف من دبي: بعد صيف من الاضطرابات في عام 1999، استخدم النظام الإيراني التعذيب "الأبيض"، أو الحرمان الشديد، لانتزاع معلومات من السجناء أو انتزاع الاعترافات منهم. نفذ هذا النوع من التعذيب مع السجينات، فاحتجزن وحيدات في زنزانات عازلة للصوت مساحتها أربعة أمتار مربعة، بعضها مضاء بلا انقطاع بمصباح واحد.

يتألف كتاب "التعذيب الأبيض" أو White Torture (ترجمة أمير رزانزاد، منشورات وان وورلد، 272 صفحة، 30 دولارًا أو 20 جنيهًا استرلينيًا) من مقابلات أجرتها المعارضة السياسية الإيرانية نرجس محمدي، التي سُجنت في الجناح رقم 209 في سجن إيفين سيء السمعة بطهران، بعدما اتهمتها السلطات بمحاولة "تقويض استقرار الجمهورية الإسلامية".

بفضل هذا الكتاب، وبفضا نضالها دفاعًا عن حرية الإيرانيات وعن حقوقهن حتى في سجن لائق، نالت محمدي جائزة نوبل للسلام 2023. لكنها لم تتمكن حتى من استلامها.

أعود إلى زنزانتي

في هذا الكتاب، سجلت محمدي شهادات 13 امرأة عانين مثلها. يقول جون سيمبسون في صحيفة "غارديان" البريطانية إنه لا يتذكر آخر مرة عثر فيها على كتاب كانت افتاحيته مزعجة كهذا الكتاب: "أكتب هذه المقدمة في الساعات الأخيرة من إجازتي في الوطن. قريباً جداً، أعود إلى سجني. في هذه المرة، الكاتبة مدانة بسبب الكتاب الذي بين يديك – التعذيب الأبيض".

بحسبه، كان ذلك في مارس الماضي، حين أُطلق سراح محمدي فترة وجيزة من سجنها لأنها أصيبت بنوبة قلبية أعقبتها عملية جراحية في القلب. وهي الآن سجينة مرة أخرى، تقضي حكمًا بالسجن يمتد أكثر من 30 عامًا، بينها قسط طويل تقضيه في الزنزانة الانفرادية. كتبت محمدي: "أعلنها مرة أخرى، هذه عقوبة قاسية وغير إنسانية، ولن أرتاح حتى تلغى".

تقيم محمدي حملتها ضد السجن الانفرادي جزئيًا على أنقاض روايتها الشخصية، ومن خلال مقابلات مع 12 امرأة إيرانية أخرى مررن بهذه التجربة أيضًا. تأتي هؤلاء النساء من خلفيات مختلفة، وسجنّ بسبب مجموعة متنوعة من التهم والإدانات التي تعتبرها الجمهورية الإسلامية جرائم: اعتناق البهائية، أو اتباع الصوفية، أو التحول إلى المسيحية، أو دعم مجاهدي خلق، أو مجرد المشاركة في الاحتجاج.

شهادات حية

هنغامة شهيدي هي إحداهن، وقد حكمت بالسجن 13 عاماً لأنها اشتكت علناً من الفساد القضائي. منذ إطلاق سراحها في العام الماضي، ما زالت تخضع لعلاج طبي نتيجة وجودها في السجن الانفرادي، ولم تتمكن من استعادة حياتها الطبيعية. بحسب سمبسون في "غارديان"، قال مقرر خاص للأمم المتحدة للأمم المتحدة قبل بضع سنوات إن الحبس الانفرادي "يمكن أن يرقى إلى مستوى التعذيب". وهذا ما يثبته كتاب "التعذيب الأبيض" بوضوح.

من بين أخريات قابلتهن محمدي، مرضية أميري صحفية إيرانية مسجونة لمحاولتها معرفة ما حدث لمجموعة من المتظاهرين، بعدما حكم عليها بالسجن عشر سنوات. أطلق سراحها في عام 2019. ففي أثناء سجنها، ضربت رأسها بالحائط آملة أن يخفف الألم من أفكارها، كما قال تقرير نشرته "إيكونوميست". فالسجن فاقم نوبات الصرع التي كانت تعاني منها. تروي: "أعادوني إلى السجن الانفرادي. في تلك اللحظة رأيت نفسي مجنونة، ما خفت من المحقق، بل خفت من نفسي على نفسي. فالزنزانة المنعزلة تسلبك مفهوم الحالة الاجتماعية".

التعامل مع السجينات في إيران محكوم بوحشية من نوع خاص. لكن هذه الوحشية لا تكسر الإرادات، كما تظهر هذه المقابلات. ولم تعرب أي من النساء عن ندمها على مقاومتها؛ وكان معظمهن قد اعتقلن وتعرضن للتعذيب قبل اعتقالهن الأخير. أدار نظام الملالي في طهران ظهره إلى الحائط حين شهدت البلاد مرحلة من الاضطرابات شبه الثورية. وكانت المحفزات السابقة هي الانتخابات المسروقة بشكل صارخ (2009) والارتفاع غير المقبول في أسعار الوقود (2019). في هذه المرة، "وصل الاحتجاج إلى جوهر الطريقة التي يُجبر بها الناس على عيش حياتهم في الجمهورية الإسلامية"، كما يقول سمبسون، فبعد وفاة مهسة أميني في مخفر للشرطة بسبب عدم ارتدائها الحجاب الملائم، لم تكن التظاهرات تحتج على انحراف الحكومة أو عجزها الاقتصادي، "بل على الطريقة التي يحاولون بها السيطرة على سلوك الناس".

هل ينتصرون يومًا؟

في كل يوم تقريبًا، كانت الحشود تخرج إلى الشوارع للاحتجاج، فيهاجم الناس بعض المباني العامة، ويشعلون النار في سيارات الشرطة. مع ذلك، فإنهم كانوا يرقصون ويغنون ويهتفون، وكان النساء تخلع الحجاب وتهز شعرها في إشارة إلى أنهن "لم يعدن ملتزمات قواعد الدولة"، لكن هناك ثمن باهظ يجب دفعه مقابل الحرية. تقول منظمة إيران لحقوق الإنسان، ومقرها أوسلو، إنه حتى 12 نوفمبر الجاري، قتلت الشرطة والجيش وميليشيا الباسيج ما لا يقل عن 326 شخصاً، بينهم 25 امرأة و43 طفلاً. فالجمهورية الإسلامية أعلنت الحرب على من يتحداها.

هل ينتصر المحتجون؟ أعتقد أنه عليهم الانتصار، في مرحلة ما، لكن ليس فورًا. لا قيادة واضحة للاحتجاجات، فإذا أطيح نظام خامنئي ورئيسي الذي يفتقر إلى الكفاءة، ستدخل إيران في حالة من الفوضى العارمة، وربما تكون أسوأ من الفترة الرهيبة التي أعقبت الثورة. بعد إطاحة الشاه في عام 1979، نشبت حرب أهلية بين الدولة الجديدة ومعارضيها المتطرفين.

بحسب سمبسون، ما تظهره التظاهرات في إيران هو الدرجة التي تجاوز بها النظام السياسي والديني القديم والمتشدد تاريخ انتهاء صلاحيته. هل سيتوقف التعذيب؟ بالطبع لا. يعترف الناس في إيران اليوم بأنهم أفرطوا في التفاؤل الطفولي بشأن الخلاص من الثورة الإسلامية. يسأل سمبسون في "غارديان" أخيرًا: "عندما ينتهي حكم آيات الله، هل يختفي التعذيب الأبيض وكل ألوان التعذيب الأخرى من إيران؟ أتمنى لو اعتقدت ذلك".