قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

تفاخر دول نامية، ومن بينها دول عربية، باتساع الطبقة الوسطى فيها، على حساب طبقتي الفقراء والأغنياء، معتبرة ذلك أهم الدلائل على نجاح نظامها السياسي و نجاعة خياراتها التنموية واتجاه المجتمع والإدارة فيها إلى شاطئ السعادة، أي مواطنون سعداء وحكومة سعيدة كما وصف أحدهم مؤخرا الوضع في دولة عربية، متفكها بطبيعة الحال.

فلسفيا وسياسيا ودينيا، رمزت الطبقة الوسطى فعلا إلى السعادة، باعتبارها توليفة بين الفقر والغنى، و حالة وسطا بين شظف العيش و ميوعة الرفاهة، و ملاذا للفارين من قسوة العوز و ما تجلبه كثرة الأموال من فساد وسطوة.

و قد امتدحت كتب العقائد وبيانات السياسيين الطبقة الوسطى، في ميل واضح إلى لعن الفقر مدخل الكفر، ونقد الغنى مناط التجبر و العجب والغرور. و عادة ما اقترن المتوسطون بدعاء الستر، فلا رغبة في السقوط إلى أسفل بعد اكتفاء، و لا حاجة للصعود إلى فوق خشية سوء العاقبة.

والطبقة الوسطى رمز لاستقرار الأنظمة على أنواعها، فهي الطبقة الأقل حماسة للتغيير من غيرها، وما دام في الواقع ما يؤمن حاجاتها فستجدها الغالبة في مدحه والعاملة على صونه، خلافا لطبقة الفقراء المدقعين الآملين في تحول ينتشلهم من فاقتهم، أو طبقة الأغنياء التي سيوجد فيها باستمرار من هو طامع في كرسي أو حالم بعرش أو سلطة.

وكما يرى، فإن موات العالم العربي وقعوده عن أي تغيير ديمقراطي، ناتج بالأساس عن وجود طبقة وسطى عريضة في عدد كبير من دوله المتوسطة، فأبناء هذه الطبقة خائفون مرعوبون من أن يجور عليهم الزمن أو الحكم فيسلبهم ما فيه من نعم العيش وبعض رفاه الدنيا، ليسوا كما الفقراء لا شيء في ملكهم يخافون ذهابه، أو كما الأغنياء ممن يصرف انفاق من لا يخشى الفقر أو يخشى غضبة الكبراء.

فإذا ما قيد أهل الطبقة الوسطى، وهم موظفون وأجراء و أصحاب مصالح صغرى، بقروض وأنواع سلف لا عد لها، للمسكن والملبس والسيارة و الإجازات الصيفية، أضحوا أجبن من أن يعصوا أمرا لحاكم مهما اشتد جوره، وأعجز المتطلعين إلى تبدل أو تحوير أو ثورة، على الرغم مما قد يعتمل في نفوسهم من كراهية للسائد و ما يهيمن على عقولهم من نقد شديد للواقع.

والتاريخ المعاصر ربما أثبت أن الطبقة الوسطى نعمة إذا ما انبثقت عن نظام سياسي، هو في الأصل نظام ديمقراطي لا مجال للتراجع عنه لاحقا، وأنها نقمة شديدة لا محالة إذا ما نتجت عن نظام استبدادي يجعل منها متراسا صلبا في مواجهة أصوات الإصلاح والتغيير، و وعاء حديديا لخطابات النفاق والتزوير والتزويق في مواجهة أصوات الشفافية والجرأة والحرية.

* كاتب تونسي