مقالة للرد على انصار انتخابات العراق


من الملاحظ بان الانتخابات العراقية القادمة تراقب باهتمام بالغ عبر العالم، الذي يعيش منذ الغزو الامريكي البريطاني للعراق فترة من الغموض والحيرة. وتجري هذه المراقبة بدقة كبيرة، بشكل خاص، من قبل الولايات المتحدة وايران. وسبب ذلك يعود لكون هذه الانتخبات، وما يجري من صراعات بين الكتل السياسية للدخول تحت قبة البرلمان الجديد، ستحدد الصلات الأميركية بالكتل الفائزة التي ستحكم هذه المنطقة الدائمة الاضطراب بحكم وجود اسرائيل من ناحية، ومخزونها الضخم من الموارد الطبيعية التي تسيل اليها لعاب القادة الطموحين لبناء الامبراطوريات من ناحية ثانية. علاوة على تباين السياسات المنتهجة في دولها على صعيد التعاون الاقليمي والدولي.


ولايضاع الاهتمام الامريكي / الايراني بالانتخابات القادمة في العراق، يكفي ان نذكر على سبيل المثال لا الحصر:
اولا: تحذير وزير الخارجية الأميركية الأسبق هنري كيسنجر في مقال نشرته صحيفة الواشنطن بوست من عدم اهتمام ادارة اوباما بالأهمية الجيوستراتيجية للعراق بالنسبة للمصالح الامريكية، والذي تقتضي ان لايترك العراق (منطقة فراغ ) لان خط الصراع الطائفي والاثني بين العالمين الشيعي والسني يخرج منه ويتخلل من عاصمته بغداد.
وثانيا: اعلان الرئيسي الايراني احمدي نجاد بانه لن يسمح بعودة البعثيين لحكم العراق من خلال الانتخابات القادمة، وتتسم تصريحات السيد نجاد بالدفاع عن النظام السياسي في العراق رغم انه غارق الى اذنيه في الفساد المالي والاداري والجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب المثبتة بالوثائق من قبل المنظمات الدولية.


مع ان الحكومة الايرانية تعلم بان مثل هذه القضايا امور داخلية وفق القانون الدولي لا يجوز التدخل بها من قبل الدول الاخرى. الا انه مؤشرا على التدخل الايراني الصريح في الشؤون الداخلية للعراق. وهذا السلوك الايراني المخالف للقانون الدولي من ابرز مظاهر السياسة الخارجية الايرانية منذ الغزو الامريكي البريطاني للعراق وسقوط بغداد. فايران لم تتوقف عنه رغم الانتقادات العديدة التي وجهت اليها من داخل العراق ومن قبل الاوساط الاقليمية والدولية.


فجارة العراق المسلمة تستغل هشاشة الوضع وماساة الشعب العراقي منتهزة الفرصة لفرض هيمنها على العراق وزعزعة استقرار المنطقة من خلال ترويج رؤيتها الاسلامية التي تحمل اوجه الثقافة الفارسية، مما يثير الريبة والعداء لدى البلدان المجاورة لها.


ويعيد هذا التدخل الى الاذهان، الرومانسية الثورية الايرانية لعام 1979 تحت وصاية رجال الدين المتشددين الذين اخضعوا الشعب الايراني وشعوب المنطقة لجرعات من الراديكالية والتطرف تحت شعار عودة الصحوة الاسلامية، واقامة حكومة عالمية عادلة حسب شعارات الثورة انذاك. وقد هددت تلك الشعارات الاستقرار والامن الاقليمي، دفع ثمنها العراق في توريطه من قبل القوى الاقليمية والدولية، للدخول في حروب بالوكالة انتهت بتدمير العراق والتخطيط لتقسيمه حسب اقتراح احد كتاب المحافظين الجدد بيتر غالبريث في كتابه (نهاية العراق).


لقد طرح هذا التدخل الايراني الجديد تساؤلات حول الطموح والرغبة الايرانية الساعية الى المجد القومي. ومن المعروف بان هذا الصنف من الحكام الطموحيين، تتوجه عادة اهتماماتهم ليس لتحسين ظروف حياة سكانهم، واقامة علاقة حسن جوار مع جيرانهم، بل بطلب المجد والنفوذ الخارجي، وهو لا يتحقق الا بالقتال والغزو والغلبة. ومثل هؤلاء الحكام يفرضون سلطتهم ونفوذهم عادة بقدر ما يستعملونه من قوة، ولهذا تسعى الجارة ايران ان تكون لها انياب نووية.. وان هذه الرغبة ليست سوى ورقة مساومة لابتلاع العراق وباقي البلدان العربية والهيمنة على مصادر الطاقة وممراتها في الخليج، ورفع الامن الاقليمي الى الخط الاحمر الذي قد يستدعي نشوب حرب اقليمية جديدة سيكون مركزها ارض العراق ايضا حسب توقع كيسنجر.


وليس ادل على هذا التوقع، واحتمال اندلاع حرب جديدة بعد الانتخابات القادمة، خطاب السفير الامريكي في العراق كرستوفر هيل امام المعهد الامريكي للسلام في واشنطن. وهو رد لمقالة كيسنجر وخطاب احمد نجاد، كشف فيه بشكل صريح موقف حكومته من قضايا العراق الشائكة وعلى راسها الانتخابات القادمة، وصلتها بايران ومنطقة الشرق الاوسط.
فقال السفير هيل بان انسحاب القوات الامريكية خارج العمليات القتالية لا يؤثر على مصالح الولايات المتحدة في العراق لان الاخيرة لا تقاس بحجم وجود هذه القوات، بل بحجم السفارة الامريكية وهي سفارة غير عادية، وستبقى للمدى الطويل رمز للوجود الامريكي في العراق. وقد وصف السفير هيل الوجود الامريكي الجديد بالوجود quot;الذكيquot; الذي تم التوصل اليه من دروس السنوات السابقة الصعبة.

ان تصاعد حدة التوتر بين الولايات المتحدة وايران مع قرب الانتخابات العراقية تعكس خطورة المرحلة المقبلة، وان دعم ايران لشركائها في العراق، رغم ادعائها المقاومة في فلسطين ولبنان، حرمها من مصداقيتها في العالم العربي والاسلامي، وان سياستها الخارجية التي تتسم بالتقلب والتلون افقدها ثقة المجتمع الدولي فيما يخص مزاعم برنامجها النووي السلمي.

وستبقى هذه الدولة تواجه هموما امنية وشعور بان البيئة المحيطة بها مهددة لامنها القومي، بالضبط كما تفعل اسرائيل، وحلفائهم المحافظين الجدد، ما جعل كل من هؤلاء يعتقد بانه يحمل رسالة الهية يحميها الله !!! وان مستقبل العراق سيبقى قاتما ما دام فرسان الله وجنوده يتصارعون على ارضه!!!

عسى ان ان يتعظ من اصابه عمى الالوان ممن يصورون الاوضاع الحالية بالوردية، ويكيلون الاتهامات الكاذبة والسباب للآخرين بدون وازع او ضمير اخلاقي.

باحثة في جمعية الحقوقيين العراقيين-بريطانيا