قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

تاريخ خسائر لمشروع الدولة الوطنية المدنية،.. هذا هو بإيجاز تاريخ الدولة العراقية الحديثة. لقد خسر العراق دولته الأولى (الدولة الملكية 1921م-1958م)، وخسر دولته الثانية (الدولة الجمهورية 1958-2003)، وهو اليوم مهدد بخسارة دولته الثالثة،.. والخسارة هذه المرة إن حدثت فستكون خسارة كارثية تهدد بالصميم كيانه ومصيره بل ومصير المنطقة بأسرها.

خسارة العراق للدولة جاءت بسبب خطيئة المعايير والمناهج والسياسات التي تم تقعيد الدولة على وفق خارطتها،.. إنها معايير الإستبداد والإستعباد والإستبعاد التي اختطفت الدولة وابتلعها، ومناهج التنميط الإيديولوجي -القومي الماركسي الديني- التي صحّرت حياتها السياسية وغلقت آفاق تحديثها البنيوي، وسياسات العسكرة والحروب والمغامرات التي قتلت مشروع الدولة وتوجتها بالنحر والإنتحار،.. فتاريخ الدولة العراقية خسائر تتلوها خسائر أتت على الإنسان والأمن والتنمية والسيادة، حتى توجت بالغزو،.. فلحظة التاسع من نيسان 2003م ndash;لحظة نحر وانتحار الدولة- لم تكن خارج عن سياق مسلسل خسارة الدولة، بل هي امتداد لنزالات الخسائر.. هي اللحظة الأخيرة لمشروع صال وجال في أفعاله الإنتحارية حتى رسم نهايته بيده، إنها لحظة موت الدولة.. لحظة نحرها وانتحارها بفعل سوء معاييرها وخطيئة سياساتها وبفعل مفارقة قادتها للحكمة والنبل.. وتلك هي كبرى خطايا المعنيين بفعل الدولة وعلى الأخص نخب البعث الأسود، لقد توجوا اختطاف الدولة واحتكارها بنحرها بيد الغزو في 2003م.

بعد الإنتحار والنحر، ومنذ 2003م والعراق يعيش إرهاصات عملية سياسية يراد منها ومن خلالها إنتاج دولة،.. فهل أنتج العراق الدولة، أم هو في طريقه لخسارتها مرة أخرى؟
قد يقال أنَّ التحديات التي حالت دون كسب مشروع الدولة حتى الآن هي تحديات هائلة تبدأ من التركة الكارثية للنظام الصدامي المباد ولا تنتهي بالفعل الإقليمي المضاد الذي حاصر الدولة الوليدة بمثلث الإختراق السياسي والإرهاب المنظم والإعلام المضاد... هذا صحيح،.. لكن الصحيح أيضاً أنَّ أرباب الدولة الجدد ورواد مشروعها الجديد قد قتلوا الدولة أيضاً وأجهضوا الأمل باعادة انتاجها عندما استوردوا نظاماً سياسياً عرقطائفياً وضع الأمة على سكة الإنقسام والدولة على سكة التفكك، فالأمة العراقية اليوم وببركة النظام السياسي العرقطائفي عبارة عن أمم شيعية سنية كردية تركمانية كلدوآشورية.. تتصارع على السلطة والثروة والسيادة وتختلف على الحدود والسياسة الخارجية وحتى تتنازع شكل العلم ومضامين النشيد الوطني!! والدولة العراقية اليوم عبارة عن مجمع دويلات تجمعها زيجة نشزة لم تعرف الوئام بعد، والمشروع برمته سقط ضحية الإقطاعيات السياسية التي ابتعلت الدولة باسم المحاصصات الحزبية العرقطائفية،.. أوليس هذا بالصحيح أيضا؟

لقد خسر العراق الدولة الوطنية المدنية الديمقراطية مجدداً على يد ساسة عراق 2003، فهاهي الدولة التوافقية العرقطائفية تأدلج التنوع المجتمعي وتعطيه بعداً سيادياً، وها هو المشروع التوافقي يقتل الهوية الوطنية لحساب الهويات الفرعية، وهاهي السياسة التوافقية المحكومة بتوازن الشراكة والمحاصصة تحيل الدولة الى دويلات، وها هو نظام المحميات السياسية العرقطائفية يجيّر العراق لستراتيجيات اقليمية يتماهى معها استناداً لوحدة العرق أو المذهب،.. وما لم تتدعى نخب الدولة لإنقاذ مشروع الدولة وتقعيده على وفق خارطة طريق وطنية مدنية تضمن مصالح الجميع دونما استئثار أو أبوية أو فئوية أو تدليس أو فساد أو ابتلاع أو تبعية، ما لم تتدارك نخب الدولة مشروع الدولة الذي يعاني الإنقسام ويأن من التشظي،.. فعلى العراق وعلى دولته السلام.

[email protected]