أتمنى أن تكون قضية كيفية تعامل قوّات الدرك الأردني مع إعتصام نظمه ونفّذه مجموعة من الأيتام ومجهولي النسب هزّت الضمير الإنساني لكل من قرأ عن القضية.. المأساة التي إتضحت كشفت النقاب عن خلل حكومي إضافة إلى الخلل المجتمعي المقنّع في مجتمع يدّعي التدين.. وحكومة تدّعي التحضّر!

ما ظهر جليا هو تناقض الأخبار بين من يدّعي رفض السلطات الأردنية الإعتراف بحقوقهم وحرمانهم من الأرقام الوطنية.. وبين من يؤكد حصولهم على رقم وطني.. ولكنه يبدأ برقم 2000 بحيث يعرف كل من سيتعامل معهم بأنهم ( كما يقولون ) أولاد حرام مجهولي النسب مما يعرّضهم للتمييز والنظرة الدونية في مجتمع لا زال يلفظ ويحتقر مجهولي النسب على إعتبار أنهم أبناء خطيئة الزنا وعليهم تحمل تبعات هذه الخطيئة طوال حياتهم.

القضية تذكّرني بمسلسل رمضاني rsquo;بث قبل ما يقارب عشر سنوات.. وقام ببطولته الفنان القدير الأستاذ يحيى الفخراني.. سلّط فيه الضوء على قضية كيفية تعامل المجتمع مع من يلقوبنهم بأولاد الحرام.. وكيف أنه وبرغم نجاحه المادي الهائل وحصوله على منصب إجتماعي كبير من خلال سلسلة من الأعمال الخيرية والنجاحات المادية والتي كذب خلال العمل عليها على المجتمع وادّعى أنه سليل عائلة صعيدية عريقة ولكن كل هذا إنهار ولفظه المجتمع حين علم حقيقة أنه إبن ملجأ !!!
وللأسف لم ينل المسلسل أي حظ من الحوار أو التشجيع لتغيير الثقافة المجتمعية السلبية تجاه هذه الفئة لأن مسلسل الحاج متولي غطى على أي نجاح آخر..

المجتمعات العربية كلها بحاجة إلى تغيير ثقافي جذري يتماشى مع حقوق الإنسان ومع روح الأديان.. إن إستنكار الأمير علي بن الحسين وحثه الملك عبد الله على متابعة الموضوع شخصيا مع رئاسة الوزراء لحثها على إيجاد حلول سريعة لمعاناتهم غير كافي لتجذير ثقافة الإحترام الإنساني لكل إنسان، إن تقرير الحكومة الأردينة في الدفاع عن نفسها والذي تضمّن أسماءهم وحالتهم الإجتماعية يزيد الطين بلة.. لأنه يعرضهم فورا لأحكام مجتمعية قاسية لا ترحم وعملية تشهير بحالتهم ووضعهم الإجتماعي وبالتالي قد تحرمهم من حقهم بالمساواة في حال تقدمهم لوظيفة أو عمل ما.. إضافة إلى تعييرهم بالحصول على إعانات مادية وهو ما يجب أن يبقى طي الكتمان في المجتمعات المتحضرة والراقية !! !! ويبين بأن ما قامت به الحكومة هو مجرد تعديلات مؤقته وشكلية.ز وأنها لا تتماشى مع حقوق المواطن لأنها تبدو كمنة منها في توفير بعض الوظائف لهم.


في مجتمع تتعمّق فية الفجوة الإجتماعية والتعليمية تبعا للحالة المادية وقد تختفي فيه العدالة تبعا للحالة المادية والطبقية.. لا بد للحكومة من سن قانون واضح وصريح يتناسب مع معايير حماية حقوق الإنسان وهو الضامن الوحيد لمساواة جميع أفراد المجتمع وحقهم في العدالة الإجتماعية..وحق هذه الفئة في العيش بكرامة كباقي فئات المجتمع كله.

إن وجود تعليقات أو إنتقادات لتصرفهم أو إستخفاف بمعاناتهم.. إضافة إلى القذف بهم كما ظهرت على الفيس بوك يؤكد بان هناك في هذا المجتمع من لازال بعيدا عن تفهّم حقوقهم وحقهم الذي كفلته الطبيعة الإنسانيه مما يؤكد الحاجة إلى تعديلات تشريعية تستند إلى الحقوق العالمية للإنسان والمستندة إلى روح الأديان وعدالتها في التعامل مع الإنسان كقيمة بغض النظر عن حمله لنسب أو إسم.. أيضا تؤكد على الحاجة إلى قانون مجتمعي أخلاقي يقتص من كل من قذف بهم.

وبغض النظر عن كيفية تعامل رجال الأمن معهم.. بقسوة أم لا.. فإن مجرد إعتصامهم للمطالبة بحقوقهم وتوجههم لا حقا إلى السفارة البريطانية طلبا للحماية واللجوء هو وصمة عار على ثقافة مجتمعاتنا التي ساعدت الحكومة على مثل هذا التمييز.. وسكتت عنه لتحرم أطفال لا ذنب لهم من حقهم في حياة كريمة وعدالة شرّعها الخالق...
كما تبيّن بأن هناك تناقضا صارخا في الدستور الأردني الذي يؤكد على كفالته لحق المواطنه المتساوية.. بينما هناك تمييز واضح في وضعة رقم 2000 في بطاقة هذه الفئة؟
إن حقوق كل هؤلاء لا تستند إلى مكرمة ملكية كما جاء في التقرير الحكومي.. بل تسند إلى حقهم الطبيعي الذي شرّعة الخالق أولا ثم الدستور.
لا يمكن بناء مجتمعات سوية بدون ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان.. وبدون ترسيخ قيم أخلاقية تقوم على التسامح والمغفرة وتقبل الشخص الآخر كإنسان وليس كنتيجة لعلاقة آثمة.
إذا كنا نؤمن بعدالة الله سبحانه وتعالى.. ونؤمن بغفرانة فكيف تقسو قلوبنا ولا ترحم أخونا في الإنسانية؟

مديرة منظمة بصيرة للحقوق الإنسانية