قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

تعمُّ الفوضى السياسية بفقدان قادة العراق لغة القيادة وفقر العقيدة الموُحِدة لشعب العراق وعدم تسمية الخسائر بمسمياتها الحقيقية. وقد خرج من بين هؤلاء القادة من يتفوه بصريح عباراتهم بأنهم لايمثلون إلا مكونهم المذهبي أو القومي أو العشائري، وفي لغة التقاعس والصفاقة والأحتقان الطائفي وبناء صروح الكذب، لاتراهم يمثلون إلا أنفسهم في أهانة واضحة لشعب قدّمَ التضحيات بعد التضحيات للتمثيل الديمقراطي السليم، متبرعين بأستعداده لتقديم المزيد من التضحيات والخسائر البشرية والمادية.

تعمُ الصفاقة السياسية بعد فقدان قيادات عراقية لغة قيادة وتحريك المجتمع وطنياً وديمقراطياً وفقدانها الأحترام المذهبي والقومي نتيجة تصوراتهم الخاطئة بأن أنتماء الجماهير الى مذهب سيجعلهم يلتفون من حولهم خاصة أذا نادوا بأنهم يمثلون ويدافعون عن هذا المذهب وعن حقوقه حتى ولو كان ذلك كذباً وتملقاً شكلياً. إلا أن هذه الجماهير لفضتهم بعد أنكشاف الكثير من الفضائح والأسرار والأكاذيب والدسائس وأهتمامهم الشخصي بأمتيازاتهم وممتلكاتهم وبنهب ثروات العراق لعوائلهم. لغة الصفاقة والأحتقان الطائفي هذه تعني أن يقول المسؤول أنه يمثل المكون السني أو المكون الشيعي أو الكردي ولا يقول أنه يمثل أهل العراق. لغة الصفاقة هي سَياقة أعذار للشعب عن أسباب فشلهم وأعذارهم، ثم مطالبهم للمساعدة من دول أجنبية وسفرائها في بغداد. لغة الصفاقة هي الأستمرار في إنغماسهم في ثروات عقود التسليح والمقاولات والعمولات التي درت عليهم وعلى دول أجنبية الملايين من ثروات العراق وساهمت في نقل الأرهاب الى الساحة العراقية بدلاً من دفعها الى خارج العراق والتبرع الرمزي الشكلي لبعض هذه الدول بتسليح الجيش العراقي، كالكويت التي أعلنت مؤخراً أنها ستسلح الجيش العراقي بأسلحة خفيفة كمساهمة منها في الحملة الدولية لمكافحة ألإرهاب.

ويُسهم إختلاف القيادة السياسية في صياغة الفشل العام وزيادة رهيبة في الخسائر البشرية " أكثر من 15 الف شخص قتلوا خلال عام 2014 " والخسائر المادية التي لاتقارن ولاتُحصى بأي رقم حسابي، دون تمكّن هذه القيادة من دحض الأرهاب المحلي والأقليمي أو دفعه الى خارج حدود العراق. يسوق الذين رحبوا بجعل العراق ساحة للحرب، لفشلهم مبررات وتفسيرات لاتمت إطلاقاً للحالة المزرية التي تعيشها المحافظات ومدنها وقراها وسيطرة قوى الأرهاب ومؤيديها في حرب يعرفون من يؤججها ويجاهر بها. فالسيطرة على مدينة أو مصفى أو جسر وسرقة بيوت ومحلات وإعتداءات على عوائل عراقية تتم بقوة عراقية في صراع أهلي داخلي داعشي عشائري خفي مسنود من الخارج والداخل. وتتكامل ظاهرة الحالة المزرية بإدخال وأشراك ممثلي دول خارجية في شؤون العراق الداخلية في وقت تتطلب الحالة الكتمان والتصرف الأداري الصارم الحكيم. وبدأت ظاهرة فقدان لغة القيادة في الدبلوماسية العراقية وتمثيل الدين والقومية وإدخاله السياسة من أشخاص يدعّون تمثيلها والتي عادةً ما يعيدون تكرارها و هم في أعلى درجات السلطة السياسية كما هي الحالة في الرئاسات الحكومية الثلاث و بحسب البيئة والفطرة الأجتماعية والتربية البيتية التي نشأًوا عليها وثقافتهم الحزبية والعشائرية والتصريح عن أستعداد العراقيين، دون غيرهم، للتضحية الميدانية والقتال حتى الموت، متبرعين ‏( وبعنجهية وأهانة لحياة وديمومة العراق )‏ بأرواح شبيبة العراق والأستعداد البشري والمادي الرهيب للخسائر التي لاوجوب لها لو أمتلك العراق خطة حقيقية لدحر الأرهاب وعدم إحتضان مكوناته. 

وبمراجعة بسيطة لظاهرة فقدان اللغة الدبلوماسية والتعامل على الصعيد الأممي قد نتوصل الى تفاهة وصفاقة السياسة، كأجتماع النجيفي نائب رئيس الجمهورية العراقية الى نائب السفير الفرنسي في بغداد ليخبره بأنه يُمثّل سنة العراق ومطالبيهم، ويشكو له من المكونات والطوائف الأخرى ويكشف عن جهل مطبق عدم معرفته للترابط العائلي والأجتماعي بين الشيعة والسنة والكرد !!! 

 لاتوجد لغة قيادية عراقية عندما تسائل سامح شكري وزير الخارجية المصري خلال زيارته بغداد يوم الأربعاء 17 ديسمبر/ كانون الأول 2014، ولقاءه بأعلى المسؤولين في الدولة العراقية عن أسباب تعرض العراق للأرهاب بمثل هذه الضراوة والعنف والتقتيل والتفجيرات اليومية، وعدم وجود فصائل إرهابية بهذه العدد أو أي قتال ومعارك ميدانية يومية في الدول العربية والأسلامية المحيطة بالعراق!!!!. ومغزى السؤال وفهمه له دلالات معينة لايبدو أن المسؤولين العراقيين تنصتوا له وأدركوا معانيه العميقة.

إهانة تامة لشعب العراق ووحدته وكيانه هو الفقدان التام للغة الدبلوماسية والتعامل على الصعيد الأممي، و إستمرار تراخي القيادات العراقية في التعامل بحزم مع دول الجهاد المتطرف والترحيب للقتال داخل العراق أولاً والأعتذار لعوائل الشهداء ثانياً يتبعها تثمين الجهد العربي ثالثاً، وهم بذلك السلوك يضيفون كوارث جديدة لصروح العراق لايحس بها من يجلس في مقعد تقييم الأوضاع ومعالجتها. 

هذه العنجهة الدبلوماسية هي تراجع في الأوضاع الأمنية والاقتصادية تعممها تصريحات المسؤولين بها، وهي في حقيقتها،الأسس الهشة للعقلية العراقية التي لم تنتهِ من جمهرة الجماهير بهمجية منذ أيام (الحرس القومي،المليشيات، الحشد الشعبي، عصائب الحق، الحرس الوطني) ومعظم هذه التصريحات تصورات تنتمي الى مدرسة قديمة في العمل الأداري الدبلوماسي لم تحقق تجنيب البلد القتال اليومي ومعالجة شؤونه التي تتم في معارك ميدانية لاتخنق ولا تحسم الأزمة وتحصرها في أرض ومجال ضيق كما تفعل الدول الحريصة على كيانها وأرواح مواطنيها. 

معالجة الأزمات بالطريقة العراقية تنزع عن أهل العراق أمالهم وتقتل رغباتهم في الحياة الحرة للعيش بسلام وأمان، حيث المفترض تحكيم دبلوماسية القوة العسكرية الحقيقية المسندة من قبل القوات المسلحة وقولا الأمن "وفي وقتها" قبل إبداء دبلوماسية الحرص على مغازلة دول الجوار والتثمين والأمتنان التي لم تنزع عن أهل العراق رائحة الأرهاب الأقليمي وتضيّق فعاليته وطرقه ولا التشخّيص لأفراده و جهاته ولملمتهم وجرّهم الى قفص العدالة. 

بعد تأليف الحكومة الحالية وتتبع سياستها الوطنية، يلاحظ المراقب أن العراق يتصرف بطريقتين، الأولى تأليب وتحشيد المواطنين وتربيتهم على حمل السلاح والقتال بطرق لاتمت للمهنية العسكرية، والثانية تثمين دول وجهات وأطراف كانت قد أوقعَت العراق رهينة بيد الأرهاب الجهادي المذهبي والعقيدة التاريخية المتطرفة.

 وحالياً، يتبارى قادة رئاسات الجمهورية والبرلمان والحكومة العراقية على تقدير وتثمين وتمجيد الدول المجاورة للعراق والإشادة بمواقفها رسمياً في دبلوماسية التجوال والزيارات وطواف العواصم العربية والأسلامية في سلوك غير معروف دبلوماسياً في عالم العلاقات الدولية المتحضر وفي دول تتعرض للأرهاب والتدمير الجهادي يومياً. فلا توجد دولة في عالم اليوم " مثل العراق " يطوف مسؤوليها بزيارات للدول " فقط " لتثمين قادتها و" فقط "للأشادة بحكومات شدّت على يد قادة الأرهاب لسنوات وساهمت بتمويل جهادييه. 

الأمثلة عديدة عن فقدان لغة القيادة، وتظهر على لسان العديد من المسؤولين العراقيين ويفرضونها كواقع سياسي خاطئ على البلد بعدما تحكمت بعقولهم طقوس المذهبية والقومية وروح التطرف وبدأت تنصح وتفتي وتُصرح وتقود البلاد الى الوراء في مسيرة عرجاء.

الحرب على العراق موجهة ضد أهله من عدة جبهات. والدولة العراقية رهينة في يد الأرهاب ومنظماته ومشاركة بعض القيادت العراقية في ثروات عقود التسليح وتسريب وتهريب الأموال وهم يجوبون دول الجوار لأبداء إمتنانهم وتثمينهم لمواقفهم الأخوية أصبحت معروفة ومكشوفة. 

فقدان الثقة لدى قطاعات واسعة من الشعب العراقي يوحي بصعوبة وقوف قادة العراق صفاً واحداً ويدفعون بالشعب الى التفرقة. فسياسيوه لايرتبطون بلغة القيادة الجماعية الموحدة لأنسانية الأنسان وعمله المثمر وإختلافه عن الحيوانات المتوحشة والمجترة، وأتباعهم طرق الدبلوماسية الساذجة وشيوخها ومعمميها مع دول الجوار هي إخفاق دائم وإهانة لشعب لايؤمن بسياسة " فرق تسد" المتبعة. وقد أخفقت طرقهم الدبلوماسية لسنوات حتى في إرسال مذكرة دبلوماسية موحدة واضحة اللهجة للطلب من دول إقليمية أن تسيطر على حدودها وتكف عن التدخل في الشأن العراقي والكشف عن أسماء الأرهابيين ومنع أعلانات الأخوة الفضائية التلفزيونية الكاذبة الملطخة بدماء أهل العراق.

أيّ أخُوّة وأيُّ وتاريخ مشترك وتحدّيات مشتركة تواجهها هذه الدول معنا؟ ولماذا لا تُعبّر دبلوماسية مسؤولي الدولة العراقية عن الضرر البشري والمادي الذي ألحقته هذه الدول وشيوخها بالعراق؟ ويأتي استدرار العواطف وتثمين مواقف دول تتبارى في تخريب العراق (كارثة للأخوّة العربية الأسلامية الحقيقية) تسكت عنها حكومة العراق الرهينة الحالية بيد دول ومجاهديها وحرب عصاباتهم المُرحب بها على أهل العراق. ولم يستطع العراق حكومة وشعباً فك قيوده من عنصريتهم وعدم الأنقياد الى أصحاب الرصيد الجهادي والمالي الضخم وتوفيره للمرتزقة المقاتلين على أرض العراق. 

الحرب الساخنة والباردة التي أعلنوها ضد الأرهاب لم تنتهِ بعد، وتشدق ساسة العراق اليوم وتملقهم وقراءاتهم لنخوة دول عربية وأسلامية وغربية يعلوها الكثير من الغبار والرماد والتقيّح، وبالأخص عندما تقوم هذه الدول بالسماح لمسلحيها وجهادييها وتمويلهم وتزويدهم بالعتاد عبر الحدود الدولية وتشن منها حرب معلنة على شعب العراق في سياسة هادفة غرضها دمار كامل لأرض الرافدين وتمهيد الطريق ليصبح العراق اللعبة القديمة الجديدة بيد هذه الدول ويرفع الأعلام الأسرائيلية في عاصمة الرشيد. 

منذ عام 2003 لم تكف وسائل الإعلام الحكومية المرئية والصوتية عن تشويه الحقيقة السياسية بالطريقة اللغوية التلفزيونية الرتيبة المنسقة. ولم تكف عن وضع نقاط التشويه السياسي على حروف الحقيقة في العراق. وبتقصي الحقائق ومراجعتها نرى، ولحد الآن، سقوط الموصل على أيديهم يوم 10-12 حزيران (يونيو) 2014، ويناور مرتزقة الخلافة الأسلامية الجيش العراقي والحشد الشعبي في جيوب عديدة بين العاصمة ومناطق بيجي وكركوك وديالى وتكريت وسامراء وغرب وشرق الرمادي ويتناوبون أحتلالها بينما يعلن قادة العراق بأن أكثر من 40 دولة تقف معهم ويثمنون جهودها في عملية تسيس دعائي مهين ويأخذون في الإعتبار ماتنشره دول المخابرات في وسائل الأعلام الدعائية الغربية والمحلية دون تأكيد. 

 

باحث وكاتب سياسي