استكمل اليوم الجزء الثاني من مقالي، وقبل المضي في سطوره لا بد من وقفة مع بعض تعليقات القراء الأعزاء – التي اعتز بها دوماً المصيب منها والمخطئ – حول ما جاء في الجزء الأول من المقال وبالتحديد ما أوردته حول أصل تسمية "هوليوود Hollywood"، التي ذكرت بأنها تترجم للعربية إلى "الخشب المقدس"، وبأن هوليوود وبحسب الكثير من المصادر كان يقطنها الكثير من السحرة قديماً ممن كانوا يعتمدون على وفرة ونوعية خشب أشجارها – المسماة "holly" - في عمل معداتهم وطلاسمهم. فقد جاءت بعض التعليقات لتبين لي الفرق بين كلمتي "holly" التي تترجم للعربية إلى نوع من الشجيرات، وبين "holy" والتي تترجم إلى مقدس، وهذا الفرق لم يغب عني وربما قد غاب عن المعلقين الأعزاء – ومن بينهم المسيحي! – أولاً، بأن شجيرات ال Holly، هي مما يتم استخدامه في تزيين أشجار الكريسماس "المقدسة"!. وثانياً، بأن الكلمات وخاصة ما يتعلق باسماء المدن والبلدان ترجع في الغالب إلى مصدر ايتومولوجي – أصل الكلمة - يطاله التصحيف مع مرور الزمن، وهوليوود مثال. وقد أردت اختصاراً أن آتي بالمضمون دون الحاجة إلى الخوض في التفاصيل معتمداً على الشراكة القائمة بين الكاتب بقلمه والقارئ بوعيه، ولكني أجد نفسي ملزماً الآن ببعض التوضيح من خلال شواهد مُثبتة. فمن منطلق ايتومولوجي حول أصل كلمة هوليوود، أرجع وارجح الكثير من الباحثين ما ذهبت إليه، ومنهم الكاتب البريطاني المعروف/ ديفيد آيك في كتابه "أطفال الماتريكس Children of the Matrix"، ومنه اقتبس مترجِماً، "كلمة Holly، ترجع إلى نوع من الأشجار بنفس الاسم، والتي كانت تعتبر شجرة مُقدسة عند السحرة الوثنيين بسبب اعتمادهم على خشبها في صنع عصيهم وأيضاً لاعتقادهم بأنها كانت كذلك عند آلهة العالم السفلي الاسكندنافية المسماة هيل أو هولي Hel/ Holle والتي اشتقت منها أصل التسمية". كما ذكرت مؤلفة سلسلة قصص "هاري بوتر" ذائعة الصيت التي تحولت إلى سلسلة أفلام مشهورة، جي كي رولنغ J.K Rowling، في مقابلة لها ما نصه مترجماً، "العصا السحرية التي استخدمها بطل سلسلة أفلام هاري بوتر في جميع الأجزاء، أنا من اهديته إياها وهي مصنوعة من خشب شجرة ال holly، المشتقة تسميتها من holy – مقدس – بحسب ما جاء في التراث الأوربي الاسكندنافي القديم الذي وصف الشجرة بالمقدسة وذات قوى سحرية". يبقى أن أذكر في هذا المقام بأن أحد أقدم وأشهر معالم منطقة هوليوود هو ما يُعرف بقلعة السحر – Magic Castle، التي انشأت في عام 1909م، من قبل المشتغلين بالسحر هناك وما زالت ملتقاً لهم بل ويضم مبناها أكاديمية لتعليم فنون السحر!
انتهى.. وعودة إلى سحر بياني!
خلال مقابلة معه مؤخراً، سأل الصحافي الفلسطيني المعروف والمتخصص في السينما، حسام عاصي، مخرج الفيلم كلينت إيستوود، "أليس من العدل أن تصنع فيلماً من المنظور العراقي لموازنة ما عرضته في قناص أمريكي"؟ فأجاب إيستوود، "أنا لن أقوم بذلك. ولكن على العراقيين أن يسردوا قصصهم من منظورهم الخاص"!. وصدق هنا إيستوود – وهو كذوب! – فمن جهة، سيختلف المنظور العراقي في سرد قصته ويتشعب كذلك فبين عراقٍ دمّره احتلال أمريكا إيستوود، الدمار الذي بحسب دراسات متخصصة يحاكي تفجير خمس قنابل نووية!، وبين خطر التلوث الاشعاعي المنبعث في العراق الذي اهلك الحرث والنسل، والذي سيبقى أثره لمئات الأعوام بما يعني "دماراً مستداماً"!. وبين ملايين العراقيين القتلى والجرحى والمعذبين والمشردين.. ثم هل كان إيستوود أو هوليوود على قدر من المهنية أو الانسانية لصنع فيلم مبني فعلاً على أحداث حقيقية يتناول جرائم الاحتلال الأمريكي في العراق؟!، كمثل جريمة الحمودية الحقيرة التي جرت في عام 2006، عندما قامت إحدى حثالات الجيش الأمريكي المكونة من قائد الحثالة، ستيف غرين وأربعة آخرون بعد تخطيط وجلسة سُكر باقتحام منزل قاسم الجنابي وقتله وزوجته وابنته الصغرى (5 سنوات)، واغتصاب وقتل ابنة قاسم الأخرى عبير الجنابي (14 سنة)، ومن ثم حرق الجثث والمنزل!، والأحقر بعدها محاولة قيادة الجيش الأمريكي في العراق التعتيم على الجريمة بل وإلصاقها في "الجماعات الجهادية"!. ولولا انتفاضة من صوّرهم إيستوود وقناصه الأمريكي على أنهم "إرهابيين"، وقيامهم بغارات هجومية على وحدة الحثالة الإرهابية الأمريكية انتقاماً لعبير وعائلتها، لما طالت المحاكمات أفراد العصابة الأمريكية التي انتحر مؤخراً زعيمها غرين في السجن، وإلى أعمق بقعة في مزبلة التاريخ (وللأمانة هنا فقد قام المخرج الأمريكي المشهور، برايان دي بالما، بكتابة وإخراج فيلم في عام 2007، بعنوان "بعد التنقيح - Redacted"، المبني في غالبه على قصة أحداث جريمة الحمودية، وهو الفيلم الذي تمت محاربته سياسياً من قبل إدارة بوش، وتجارياً عبر متنفذي هوليوود لدرجة أنه اقتصر عرضه في دور سينما أمريكية محدودة، ومثلها في خارج أمريكا - حقق الفيلم الذي رصدت له ميزانية بقيمة 5 مليون دولار، أقل من مليون دولار في شباك التذاكر حول العالم! -، كما وتم تهميش بالما بعدها فنياً في هوليوود، والهجوم عليه مستمر منذ عام 2007 وحتى اليوم، عبر وسائل الاعلام الأمريكية المحسوبة على اليمين المحافظ كمثل قناة فوكس نيوز، التي شنّت حملة حينها طالبت فيها الجمهور الأمريكي بمقاطعة الفيلم بحجة أنه سيؤدي إلى مقتل المزيد من الجنود الأمريكيين في العراق، وهي الحملة التي أتت أكلها بحسب إيرادات الفيلم!).
ومن جهة أخرى، لماذا عسى إيستوود أو هوليوود أن يسخرا إمكانيات مثل هذه القوة الناعمة "السينما" لإبراز المنظور العراقي لقصة كايل؟!ّ، والذي قطعاً لن يلقى حينها مثل النجاح التجاري والفني المنشود الذي لقيه من المنظور الأمريكي (أكثر من 300 مليون دولار في شباك التذاكر حول العالم، وترشيح ونيل الفيلم لعدة جوائز سينمائية عالمية منها الأوسكار)؟!، والأهم في إيصال رسالة الفيلم السياسية إلى الوعي – واللا وعي – الشعبي الأمريكي!، وتشهد وسائل التواصل الاجتماعي بأن رسالة إيستوود وهوليوود قد وصلت إلى عقل وقلب الجمهور الأمريكي، فقد قرأت في واحدة – بين عشرات – من تغريدات تويتر لأمريكي ما نصه حرفياً، "بعد مشاهدتي لفيلم قناص أمريكي، كم أتمنى أن أقتل بعض المسلمين الآن"!. بل ويشهد أرض الواقع إزدياد قتل واستهداف المسلمين العنصري الإرهابي في أمريكا بعد عرض الفيلم، ولعل جريمة تشابيل هيل الإرهابية الأخيرة أبرز مثال نسوقه والتي راح ضحيتها ثلاثة شبان مسلمين في عمر الزهور (ضياء 23 عاماً، وزوجته يسر 21 عاماً، وشقيقتها رزان 19 عاماً) بعد أن أقدم على اقتحام مقر سكنهم الإرهابي الأمريكي كريغ ستيفن هيكس، وقام بإطلاق النار عليهم من مسدسه.. هذا الارهابي الذي تبين بأنه "مُلحد" ومناهض للأديان وبخاصة الاسلام، وصفته زوجته السابقة في مقابلة صحفية معها بأنه كان من المهووسين بأفلام الحرب والجريمة الهوليوودية! المثير فيما أعقب هذه الجريمة الإرهابية هو في تباطأ أغلب وسائل الاعلام الأمريكية في تغطية خبر هذه الجريمة، والاكتفاء بوصف منفذها على أنه "مشتبه به" رغم ثبوت جرمه الإرهابي! وقد تذكرت حينها كيف أن وسائل الاعلام الأمريكية تعاطت مع خبر جريمة تفجيرات أوكلاهوما الإرهابية التي جرت في عام 1995، عندما سارعت دونما التريث حتى لما ستخرج به نتائج التحقيق الرسمية، ووصفت الحادث بأنه يحمل طابع "الإرهاب الشرق أوسطي"!، وقد تبين لاحقاً بأن منفذ الجريمة الإرهابية هو مسيحي أمريكي متطرف يُدعى "تيموثي ماكفي"!
يقول الكاتب الأمريكي/ تشارلز مارتل – وهو جندي سابق في البحرية الأمريكية – في مقاله المنشور مؤخراً في إحدى الصحف الأمريكية، والموسوم ما ترجمته، "المشاكل الكثيرة المتعلقة بفيلم قناص أمريكي"، ".. بالإضافة إلى هواية خوض وصناعة الحروب فالهواية الأمريكية المفضلة الأخرى هي في صناعة الأفلام، وباعتبار أن أمريكا مقر لهوليوود أهم مركز لصناعة السينما في العالم، فإنه ليس من المصادفة أن تتزاوج هاتين الهوايتين وتتناسل منهما أفلام الحرب"!&
قبل الختام، هل تعلم عزيزي القارئ بأن في منطقتنا العربية اليوم وبالتحديد في "إمارة دبي" توجد هناك استوديوهات لانتاج الأفلام تضاهي تلك الموجودة في هوليوود إن لم تكن أفضل، زد على ذلك وجود حراك سينمائي عربي لما يقرب المئة عام الآن، ومع هذا لم يتم حتى اليوم استغلال هذه القوة الناعمة ولو بأدنى قدر مطلوب لخدمة العرب والمسلمين وقضاياهم في وقت أصبح حجم مبيعات تذاكر السينما في بلدٍ ما أحد المؤشرات المعتمدة في الاحصائيات الدولية المتعلقة بتقدم الدول!&
يعزُّ علي أن اختم مقالي قبل أن يتعبق بمسك ذكر الحي في "رسالته" شرقاً وغرباً، المخرج العالمي/ مصطفى العقاد.. الذي كان يستعد لإخراج "رسالة" أخرى عنوانها "صلاح الدين الأيوبي" لولا أن طالته يد الارهاب الغادرة.. رحم الله شهيد الفن.
عزيزي القارئ لأجل العقاد وإرثه الحي، ولأجل عناء قراءة هذا المقال الطويل بشقيه..&
الفاتحة على صناعة وصانعي السينما العربية اليوم، و..&نشوف "فيكم" أو - ببصيص تفاؤل خافت - "منكم" يوم.. يُثلج الصدر!


















التعليقات