أتابع كغيري من الأردنيين بأسى وحزن بغير حدود السجالات الدائرة على خلفية برنامج بثته قناة تلفزيونية وتلقفته ألسنة الشر ودعاة الفتنة باعتباره دعوة للتحلل الأخلاقي مستندة إلى ديانة مالك القناة المسيحية وكأن هذه الديانة التي يعترف الاسلام بأنها منزلة من السماء باتت عند هؤلاء مكرسة لنشر الرذيلة، وبالتزامن نشر أحد أعضاء مجلس النواب رواية عن القائد العسكري الاسلامي خالد بن الوليد تؤكد وحشيته وهي رواية مشكوك في صحتها لكن المؤكد أن مصدرها إسلامي وليس مسيحياً، صحيح أن النائب القادم من مجتمع تسوده الألفة بين المسيحيين والمسلمين وإلى حد أن بعض أفراده يساعدون طلبة محتاجين من الديانة الأخرى بصمت وكبرياء وبدافع من شعور المواطنة اعتذر عن ما نشره غير أن السيف سبق العذل وغلطة الشاطر بألف وقد تلقفتها قوى ظلامية نفخت في روح الكراهية وأزاحت بعض الرماد عن جمر الفتنة غير أن قوى أخرى تدرك مرامي افتعال الأزمة حذرت بان فتنة تطل برأسها تهدد مفخرة الأردن بالإخوة الوطنية، وبينت أن "تزامن الاساءة للصحابة والقيم المجتمعية منِ قبل نائبين وقناة فضائية أردنية ليس مصادفة بل بذرة فتنة تهدد مفخرة اْلاردن بالأخوة الوطنية الاسلامية المسيحية.
وهكذا وجد الأردنيون أنفسهم منصرفين عن مشاكلهم الاقتصادية الخانقة ومنشغلين بقضية غريبة عن طبيعة مجتمعهم المتسامحة وهم يستمعون لاتهامات لفضائية رؤيا بأنها تبشيرية ودفعت القضاء إلى حظر النشر في هذه القضية التي بدأت ببث الفضائية برنامجاً قالت إنه موجه للكبار ويحتوي على إيحاءات جنسية ويصر النافخون في كير الفتنة أنه موجه للأطفال وجدير بالذكر أن إدارة رؤيا التي تتمتع بجمهور واسع وتنافس التلفزيون الرسمي اعتذرت عن بثها البرنامج الذي قالت إنه يتعرض لسوء فهم غير أن هذا الاعتذار لم يمنع ظهور مجموعة إلكترونية عرفت عن نفسها بعبارة "أنت مسلم… إذا قاطع محطة رؤيا التبشيرية" وفي هذا التعبير استفزاز واضح لكل المؤمنين بالتعايش بين أبناء المجتمع الأردني وقد دفع أحد المحامين للتقدم ببلاغ للنائب العام حول وجود جرائم هدفها بث الفرقة في المجتمع.
ليس سراً أن بعض المتعصبين من شيوخ المساجد والمدرسين يحملون فكراً إقصائيا دفع أحد الأطفال لرفض تناول طعامه المفضل لأن "هذا مطعم مسيحي ما باكل منه"، وهو تعلم ذلك من المدرسة الإسلامية التي يدرس بها، ومن تجربة خاصة بي أن أولادي في طفولتهم قرروا تأدية الصلاة في المسجد ليستمعوا من الشيخ إلى سؤال " ألستم أبناء حازم الذي يقترف جريمة أخلاقية بكتابته شعراً يتغزل بالمرأة"، وباعتبار أن ذلك رذيلة وكانت ذلك آخر عهدهم بالمسجد والمتطرفين فيه، وتناسى المدرسان في المدرسة والمسجد أن الرذيلة وسوء الخلق أن تعلم طفلاً أن هذا مطعم مسيحي لا تأكل منه، وأن المسلم يحافظ على عرض وممتلكات المسلم وأن أبشع ما نتناقله القول "هذا مسيحي لكنه محترم" أو "هذا مسلم لكنه يفهم" وصولاً إلى فهم يتعدى كل حدود الدين وفحواه أن "سرقة المسيحي حلال".
مؤسف ودليل عدم الوفاء نسيان أن المسيحيين فتحوا مدارسَهم لصغارنا ليتعلموا على أيدي راهباتهم الأخلاقَ والقيم، وأن الأرضَ وطنٌ لكل البشر، وأن المحبة قانونُ الحياة، لا فرق بين إنسان وإنسان إلا بقدر أخلاقه وعلمه ومساعدته للآخر. وابنتي التي درست فى مدرسة مسيحية، تعرف اليوم عن الاسلام أجمل وأنبل ما فيه من قيم أخلاقية تتجاوز بمراحل الفهم القاصر على الشكليات عند بعض الشيوخ والمدرسين، وهي تحترم السيد المسيح امتثالاً لما جاء في القرآن "وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا" وهو من قال لبنى إسرائيل "قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ"، وكم هو مؤلم أن يخرج علينا "داعية" يطالبنا بعدم تهنئة المسيحيين في أعيادهم، ويجد لدعوته البائسة بعض المؤيدين، غير أن المفرح أن هناك دعوة كبيرة لطرد هذا "الدعي" من الجامعة الأردنية التي يدرس فيها وينشر مثل هذه الأفكار.
المضحك أن عدداً من أعضاء البرلمان تبنى موجة الفتنة وركب مركبها داعين بالإضافة لمحاكمتها أمام القضاء إلى تحويل قناة رؤيا الى "لجنة النزاهة والشفافية" ونسي هؤلاء أنه معروض عليهم ملفات يطويها النسيان والتجاهل أو الجهل ومنها ملفات الفساد والمديونية وهدر المال العام و شبهة مشروع النووي والبيروقراطية و المواصلات و الجهوية والمحسوبية وارتفاع الاسعار وغياب الرقابة الصحية على السلع والمنتجات وتفشي الامراض المجتمعية وتراجع التعليم، ما يستدعي تحويلهم مجتمعين وفرادى إلى هيئة مكافحة الفساد، لكشف فضائحهم وفتح ملفات فسادهم الذي تزكم روائحه النتنة الأنوف، وحري بهم معرفة أن الشعب الأردني لن ينسى معركتهم للحصول على تقاعد مدى الحياة إن فقدوا ثقة الناخبين وأن يحملوا جوازات سفر دبلوماسية تؤهلهم لمعاملة خاصة في مطارات ونقاط حدود العالم.
في مواجهة كل هذا العته الذي شاركت في زفته هيئة الاعلام الأردنية حين رفعت دعوى قضائية ضد قناة رؤيا بتهمة بثها فقرات مخلة بالآداب وفيها إيحاءات جنسية ولا تليق بالصغار، تتنافى مع قيم ودين المملكة وعادات وتقاليد المجتمع الأردني، رغم أن القناة أكدت على أن هذه الفقرة من البرنامج هدفت إلى تقديم نقد ساخر لحال ما وصلت إليه بعض وسائل الإعلام العربية في تقديمها للبرامج المخصصة للأطفال، بعيدا عن الضوابط التربوية الحقيقية، القائمة على ثقافتنا العروبية والدينية، نقول إنه في مواجهة كل هذا الغثيان علينا استذكار أن عائلة& آل حداد المسيحية أقامت مأدبة إفطار رمضانية، بعرس ابنهم حيث أولمت مأدبة بالتزامن مع رفع آذان المغرب، ووزعت المياه والتمور على الصائمين الحاضرين، مراعاة لمشاعر الصيام لديهم، لتؤكد أن المسألة الدينية لم تكن مطروحة أو مثار اختلاف عند الأردنيين وتاريخهم يحمل في ذاكرته وجود أكثر من وزير مسيحي منذ تأسيس الدولة، والأردنيون المسيحيون يرون أنفسهم عرباً ويعتزون بعروبتهم، وأردنيون ويفخرون بذلك ومن ثم هم مسيحيون، فالهوية الفرعية الدينية ليست هي هويتهم الأم أو الهوية الرئيسة التي يرون أنفسهم تحت مظلتها، واستمرار انتمائهم للهويتين الرئيستين (العربية الأردنية) أو بالعكس حافظ على توازنهم ودورهم.
أختم بطرفة يتداولها البعض عن صليب يظهرُ في حبة البندورةِ إن كانت بذرتها هولندية، ويرون في ذلك دليلاً دامغاً على المؤامرة الكونية ضد الاسلام ، ويستدعي ذلك عند البعض أن تتداعى القوى الاسلامية لشن الحرب على هولندا ابتداء من وزارة الزراعة الاردنية التي سمحت بهذا الخرق الذي يؤكد سخافة اكتشاف اسم الجلالة على حبة بطاطا في اندونيسيا أو اسم الرسول على تعرجات بيضة في الفلبين أو عبارة لاإله إلا الله على شجرة في استراليا، وبالمناسبة فإن سعر كيلو البدوره "أم صليب" اقترب من الدينار ويحيلنا كل ذلك إلى ما كان قاله الجواهري:
لهفي على امَّةٍ غــــاض الضميرُ بها
من مدَّعي العلـــمِ والاداب والدين
موتى الضـــمائرِ تُعطي الميْتَ دمعتَها
وتستعينُ عــــــلى حيٍّ بسكِّين
&













التعليقات