وأنا أتأمل تداعيات ما سمي بالربيع العربي، أو ما سماه الإقتصادي الأمريكي، جوزيف ستجلتز، الحائز على جائزة نوبل، بإنتفاضة العولمة، من طوفان الأحداث في الشرق الأوسط مع بدايات عام 2011، وحتى أضطرابات الوول ستريت في الولايات المتحدة، وبظاهرة ما سميت بثورة حزب الشاي، وحتى حرائق وإضطرابات الشوارع في لندن وباريس ومدريد وباقي الدول الأوربية، ولتكمل إرهاصاتها بشكل جديد، ولتتستمر بإرهاصات حرب أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا واليمن ولبنان، بل وبأزمة اللاجئيين الأوربية، وبروز اليمين الإوربي المتطرف، وحتى الأصوات البريطانية ضد الإتحاد الأوربي، وإلى أضطرابات البرازيل وفنزويلا، وحتى ما نشاهده اليوم من ثورة إنتخابية في الولايات المتحدة. ويبدو وكأن العالم ينتقل من عصر العصرنة، وبناء الدولة، وقيم الحداثة والديمقراطية، إلى نذير عميق بتفكك مجتمعات العولمة، وكل ذلك بسبب أحساس عميق بالظلم، والغضب الشديد، حيث وصل تباين الثراء لدرجات متطرفة. فهناك 63 ملياردير في العالم، يملكون ثراء بقدر ما يملكه ثلاثة ونصف مليار من سكان العالم، بل يمتد هذا التباين في الثراء للدول الغرب الديمقراطية، حيث بدأت تتضاعف نسب الفقر فيها، وحتى بين البيض، كما أن 0.7% من الشعب الأمريكي يملك أكثر من 40% من ثرائه، بينما يملك 67% من الشعب الأمريكي ما يقارب 3% من هذا الثراء، بل هناك عائلة أمريكية واحدة تملك ثراء ما يعادل ما يملكه ثلث الشعب الأمريكي، كما أخذت الطبقة الوسطى الغربية تنكمش. فيبدو بأن العالم غاضب من تركز الثراء، والسلطة، والتشريعات والقوانين، ولعبة الانتخابات، التي تشتريها حفنة صغيرة، وتلعب بها كما تشاء، لتزداد ثراءا، وعلى حساب الشعوب، وخاصة بعد أن تقلصت مسئوليات الحكومة، وتحولت على القطاع الخاص، وألغيت كثير من القوانين والأنظمة التي تمنع الإحتكار، وتنظم وتراقب القطاع الخاص، بل، وتحاسبه وتحاكمه. ويبقى السؤال لعزيزي القارئ: هل نحن أمام نهاية عصر الديمقرطية والتنمية المستدامة؟ وما الذي سيلي ذلك؟ هل ستبدع الديمقراطية من جديد لتجدد نفسها، ولتخترع حكومات الألفية الثالثة المبدعة والمنتجة والمحققة للتنمية المستدامة؟ أم ستعود علقية اليمين النازي الهتلري المتوحش، أم اليسار الستاليني المدمر من جديد، لتخلق حرب عالمية نووية، فتزول البشرية جمعاء، وليبدأ يوم القيامة، كما تنبأ البعض؟

&
لقد ناقش جميع هذه التحولات والتحديات العالمية المؤسفه، الإقتصادي الغربي، اناتول كاليتسكي، مؤلف كتاب "الرأسمالية 4"، في مقال بالمجلة الإلكترونية، بروجيكت سنديكيت، فقال: "في مختلف أنحاء العالم اليوم، يسود شعور بنهاية عصر، وهو نذير عميق بتفكك مجتمعات، كانت مستقرة في سابق عهدها. وقد تعبر عن ذلك أبيات خالدة للشاعر ويليام بتلر ييتس، في قصيدته العظيمة، المجيء الثاني، التي كتبها في عام 1919، ويقول فيها: الأشياء تتداعى، ويعجز المركز عن الصمود، &ويُطلَق العنان للفوضى تجتاح العالم... &فلا يجد الصالح سبيلا للإقناع، بينما الطالح تملؤه قوة متوقدة ... وأي وحش فظ هذا الذي يفيق أخيرا، ويمشي محدوبا صوب بيت لحم كي يولد؟ عندما ينهار كل شيء. &فقد كتبت هذه الأبيات في شهر يناير من عام 1919، بعد مرور شهريين من أنتهاء الحرب العالمية الأولى، وكأن الشاعر إستقراء بأن السلام سوف يتقهقر، مُفسِحا المجال لأهوال أعظم، وفعلا عانى العالم بعدها من أهوال الحرب العالمية الثانية. "
&
وبعد ما يقارب من الخمسين عاما، وبالتحديد في عام 1967، توقعت الكاتبة الأميركية جوان ديديون، في كتابها، عن الانهيارات اجتماعية في أواخر ستينيات القرن العشرين، وفعلا بعد الشهر الثاني عشر من نشر الكتاب، اغتيل مارتن لوثر كنج الابن، وقتل روبرت كينيدي، واندلعت أعمال الشغب في المدن الداخلية، في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، كما بدأ الطلاب الفرنسيون المحتجون التمرد، الذي أطاح بالرئيس شارل ديجول بعد عام. وبحلول منتصف السبعينيات، خسرت أميركا الحرب في فيتنام، كما كانت منظمات، مثل منظمة اللواء الأحمر الإيطالية، ومنظمة الصمود تحت الأرض اليسارية الأمريكية، والجيش الجمهوري الإيرلندي، ومنظمة الإرهابيين الفاشيين الجدد في إيطاليا، تشن الهجمات في مختلف أنحاء الولايات المتحدة وأوروبا، ولتتحول الديمقراطية الغربية إلى مادة للسخرية بعد دعوى عزل الرئيس ريتشارد نيكسون. وقد مرت اليوم خمسون سنة أخرى، وبات العالم مرة أخرى نهباً للمخاوف حول فشل الديمقراطية. ويبقى السؤال: هل يمكننا استخلاص بعض الدروس من تلك الفترات السابقة التي اتسمت بالشك الوجودي في الذات؟&
&
ففي العشرينيات والثلاثينيات، وأيضاً في الستينيات والسبعينيات، ومرة أخرى اليوم، كان اليأس من السياسة مرتبطاً بخيبة الرجاء في نظام اقتصادي فاشل. بينما بدى في فترة ما بين الحربين، وكأن الرأسمالية محكوم عليها بالزوال بفِعل التفاوت المفرط في الثراء بين الناس، والإنكماش، والبطالة الجماعية. بينما في الستينيات والسبعينيات، بدى الأمر وكأن الرأسمالية تنهار لأسباب معاكسة تماما: التضخم، وردود الفِعل العكسية من قِبَل دافعي الضرائب، والمصالح التجارية، ضد سياسات إعادة التوزيع التي تتبناها الحكومة الضخمة. ولا يعني ذِكر هذا النمط من الأزمات المتكررة، بأن قانوناً ما من قوانين الطبيعية ينبئ بشبه انهيار للرأسمالية العالمية، كل خمسين إلى ستين عاما، ولكنه يعني إدراك حقيقة مفادها أن الرأسمالية الديمقراطية نظام متطور يستجيب للأزمات بتحول في العلاقات الاقتصادية والمؤسسات السياسية بشكل جذري. ولهذا، ينبغي لنا أن نرى في اضطرابات اليوم استجابة متوقعة لإنهيار نموذج بعينه من نماذج الرأسمالية العالمية في عام 2008. وإذا حكمنا من خلال تجارب الماضي، فربما تكون إحدى النتائج المحتملة عشر سنوات أو أكثر من البحث عن الذات والاستقرار، والتي قد تنتهي إلى تسوية جديدة لكل من السياسة والإقتصاد. وهذا ما حدث عندما أتى انتخاب مارجريت تاتشر ورونالد ريجان في أعقاب التضخم الكبير، في أوائل سبعينيات القرن الماضي، وكذلك عندما تمخضت أزمة الكساد العظيم في الثلاثينيات عن الصفقة الجديدة و"الوحش الفظ" الذي تمثل في إعادة تسليح أوروبا. وقد اتسمت كل من هاتين التسويتين بعد الأزمة بتحولات في الفِكر الإقتصادي، فضلاً عن السياسة، فقد أدى الكساد العظيم إلى اندلاع الثورة الكينزية، بسيطرة القطاع العام على الإقتصاد، جنباً إلى جنب مع الصفقة الجديدة في السياسة، بينما استفزت الأزمات التضخمية في الستينيات والسبعينيات ثورة ميلتون فريدمان بسيطرة القطاع الخاص، التي ألهمت تاتشر وريجان.
&
وبالتالي فقد بدى من المعقول أن نتوقع أن يتسبب إنهيار الرأسمالية المالية المتحررة من الضوابط والقيود التنظيمية، في إحداث تغير هائل رابع &في كل من السياسة والفِكر الإقتصادي. وإذا كانت الرأسمالية العالمية تدخل مرحلة ثورية جديدة حقا، فما هي سماتها المحتملة؟ فقد كانت سابقا السِمة المميزة لكل مرحلة متعاقبة من مراحل الرأسمالية العالمية التحول في الحدود بين الإقتصاد والسياسة، ففي رأسمالية القرن التاسع عشر التقليدية، كانت السياسة والإقتصاد يتجسدان من الناحية المثالية في مجالين متميزين، القطاع الحكومي العام والقطاع الخاص، وكانت التفاعلات بين الحكومة والقطاع الخاص تقتصر على تحصيل الضرائب، لتغطية نفقات المغامرات العسكرية والحماية للمصالح الخاصة القوية. وفي المرحلة الثانية الكينزية من الرأسمالية، كان يُنظَر إلى الأسواق بعين الريبة، في حين اعتُبِرَ التدخل الحكومي صحيحا. وفي المرحلة الثالثة، التي هيمنت عليها مارجريت تاتشر ورونالد ريجان، انقلبت هذه الافتراضات: فكانت الحكومة خاطئة عادة، والسوق على صواب دائما. وربما يمكن تعريف المرحلة الرابعة، التي نعيشها اليوم، الإعتراف بأن الحكومات والأسواق من الممكن أن ترتكب أخطاء مأساوية، وقد يسهل ذلك تحسين الإقتصاد والسياسية.&
&
وإذا كان العالَم معقداً وغير متوقع، ليمنع الأسواق أو الحكومات تحقيق أهداف اجتماعية، فقد يستلزم ذلك تصميم أنظمة جديدة من الضوابط والتوازنات، لخلق التوازنات المجتمعية الآمنة، وذلك بإعادة النظر في النظريات الاقتصادية التي سادت سابقا كالتوقعات العقلانية، وكفاءة الأسواق، وحيادية المال. كما ينبغي على الساسة أن يعيدوا النظر في الكثير من البناء الإيديولوجي الخارق الذي أقيم على إفتراضات أصولية السوق، ليشمل ذلك إلغاء القيود التنظيمية المالية، واستقلال البنوك المركزية، والفصل بين السياستين النقدية والمالية، والحاجة إلى التدخل الحكومي لإنتاج عملية توزيع دخل مقبولة، ودفع الإبداع، وتوفير البنية الأساسية الضرورية، وتسليم المنافع العامة. ومن الواضح بأن التكنولوجيات الجديدة، وعمليات إدماج المليارات من العمال الإضافيين في الأسواق العالمية، خلقت الفرص التي ينبغي لها أن تعني المزيد من الإزدهار في العقود المقبلة، ومع ذلك يحذر الساسة المسؤولون في كل مكان مواطنيهم، عن خطر ركود إقتصادي قادم، والذي سيؤدي لثورة الناخبين، الذين يعتقدون بأن قادتهم يملكون الأدوات الاقتصادية القوية الكفيلة بتعزيز مستويات المعيشة، فمن الممكن طباعة النقود، وتوزيعها بشكل مباشر على المواطنين، ومن الممكن رفع الحد الأدنى للأجور، للحد من التفاوت بين الناس. كما تستطيع الحكومات أن تزيد من استثماراتها في البنية الأساسية والإبداع بتكاليف لا تتجاوز الصِفر، بل من الممكن أن يعمل التنظيم المصرفي على تشجيع الإقراض بدلاً من تقييده. ولكن نشر مثل هذه السياسات الراديكالية يعني رفض النظريات التي هيمنت على الإقتصاد منذ ثمانينيات القرن العشرين، جنبا إلى جنب مع الترتيبات المؤسسية التي تقوم عليها، مثل معاهدة ماستريخت في أوروبا. ففي الواقع بأن هناك قِلة من المسؤولين على استعداد لتحدي العقيدة الاقتصادية التي سادت قبل الأزمة، في الوقت الذي تنادي الثورات الشعبوية اليوم، بأن يمزق المسئولون &دليل اللوائح التنظيمية الذي تعودوا على العمل بها، والعمل على تشجيع ثورة في الفِكر الإقتصادي، وإن لم يلبوا النداء فمن المؤكد أن "وحشا فظا" سوف يفيق أخيرا، لكي يقوم بهذه المهمة بالنيابة عنهم. ويبقى السؤال لعزيزي القارئ: هل سيكون هذا "الوحش"، داعش الشرق أوسطي، أو لوبين الفاشي الأوروبي، أم المياردير الجمهوري الأمريكي دونالد ترامب، أم الفقير الإشتراكي الديمقراطي برني ساندرز؟ ولنا لقاء.
&
د. خليل حسن، سفير مملكة البحرين في اليابان
&