&
النخبة السياسية الحاكمة في العراق، أثبتت وبجدارة بأنّها الأقدر من بين النخب السياسية في العالم بأسره، على تحويل حياتنا ومصائرنا وثرواتنا وأجسادنا الى دخان وشظايا وغازات. ومَن يعرف كيف تتبخر السيولة المالية وكيف تختفي الموازنات السنوية منذ عام 2003 ، سيكون من بين أوّل المصدّقين. ومَن يعرف هوية الأشباح التي تخترق الجدران والحدود والأحزاب والنفوس، سوف لا يستغرب مطلقا من حديثي.&
"الفضائيون" مفردة إبتدعها العراقيون في السنوات الأخيرة. جنرالات على الورق، وموظفون على الورق، وأحزاب ومنظمات وكتل سياسية وأوهام وخطابات وتصريحات تتعارض في ما بينها، وتتعارك وتتناقض وتعود لتتصالح في دولة من ورق تحكمها شخصيات كارتونية هبطت على أرض العراق من الفضاء، ورموز أخرى خرجت من باطن الأرض ومن بطون الكتب والمقابر.&
التسامي كيميائيا، هو تحوّل السائل الى غاز دون مروره بالحالة الصلبة. هكذا تحوّلنا الى غازات. وهكذا تتبخر الأوطان والمجتمعات والبشر. السياسة الحاكمة عندنا ليست سامية، ولكنّها تدرك معنى &التسامي بالفطرة فقط. التلوّن وحرق المراحل والإنتقالات والتقلّبات في المواقف، هي من طبيعتها غريزيا. أليست هي الأقدر إذا، على تسميم حالاتنا الثلاث، وعلى تشويه أزمنتنا الثلاث، وعلى تخريب ما فات على الديكتاتور السابق تخريبه؟.&
الزواحف السياسية عندنا لا يستخدمون سوى جذع الدماغ. ذلك الجزء الأولي المسؤول عن الوظائف اللاإرادية فقط. ليس لأنّ إرادتها مسلوبة فحسب، ولكن المدارس السياسية التي أنتجتها كانت ولم تزل، تُلغي فيها إمكانية التفكير النقدي الحرّ لتَستقبل وارد المجتمع جاهزا. الحاضنة المطيعة والبيئة الخاضعة التي توفّر لهم بإستمرار أشكال الضحايا وصنوف الجلّادين المطلوبين عمليا. مجتمع العصا لمَن عصى، يشجّع على الطاعة ويُنمي ويُبرز ويَنتقي النُخب إنتقاء طبيعيا يكون فيه الدماغ الأولي هو الحاكم والحكم وصندوق الإقتراع. نحن ضحايا الورق وبرلمان الورق ودولة ودستور من ورق. نحن ضحايا الكلمات وعشّاقها.
&السباحة في هذه البرك السياسية الآسنة، لا قواعد لها ولا ضفاف. هكذا سيكره المجتمع السياسة طويلا وربّما سيمقتها الى الأبد. لقد كان لدخول الروح الشعبوية بأقدامه الثقيلة في عالم السياسة، آثارا عميقة في مسارنا الماضي والحاضر منذ حقبة الإستقلال الوطني على الأقل. جموع توّاقة للحرية يحكمها الإنفلات غالبا. التصرّف السياسي الحكيم مفقود وغائب عن المناهج الحزبية والدينية. الإدارة والحوار وتغليب صوت العقل والتحكمّ وروح المسؤولية، هي من الوظائف الأكثر تعقيدا للدماغ الأعلى الذي تفتقده الزواحف السياسية وجمهورها العامّ الذين صنعوهم على شاكلتهم فصاروا. الإستثناء في الجهود الفردية. وكلّما إتّسعت قاعدة التهميش والإقصاء، كلّما إتّسع الإستثناء ليصبح يوما هو القاعدة. الأوضاع ستقود للإنفجار. الى التسليم أو الإستسلام. الى القبول بآليات المحاصصة التي إستبدلت حضارة عمرها سبعة الآف عام، بمصالح حفنة من الرجال الصغار الصغار من ممثلي الشغب.
هل من خراب أكثر من هذا التخريب؟. وهل من سموم إضافية سيحتملها البدن العراقي الواهن؟. كم من الهراء السياسي القادم ينبغي إحتماله لنقول : كفى بصوت عال؟. و" كم كان يُرهقني إحتجاجي؟".
باريس
&