قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

ان بناء عراق جديد ومختلف عما كان سائداً في العهود السياسية المظلمة، ليس بأمر سهل كما نتخيل!. والأحداث التي ساهمت في تغيير النظام البائد(1968-2003م)،لاتعكس بالضرورة حدوث تحولات كبيرة في أوضاع المجتمع ولا يعنيسقوط أي نظام دكتاتوري ولادة حتمية لنظام ديمقراطي، فما بالك إذا كان التغيير هو، أساساً، بمثابة تغيير شكلي لا يتعدى الى الآن التواريخ والوجوه والعناوين!.

هذا المستوى من البناء، هو من أعقد القضايا التي لم نوليها الإهتمام المطلوب لا على المستوى النظري ولا في الممارسة.والعلة، هي، ربما أن الأمر أساساً مرتبط عضوياً بشروط مُعقدةلايمكن تحقيقها إذا ما بقينا متمسكين بالأطر التقليدية في التنشيئة السياسية والمجتمعية والتعامل مع الدولة ومؤسساتها.

ان بناء عراق جديد، ليس بحاجة وحسب الى إنتاج مفاهيم سياسية وثقافية مُستَجَدة، وانما يقتضي ممارسة أساليب حديثة أيضاً في التعاطي مع التحديات السياسية والمجتمعيةوالجيوسياسية التي يواجه البلد. ونقطة البداية، كما هي في تجارب الشعوب، تبدأ دائماً بمراجعة نقدية شاملة وجريئة تطالكافة الأصعد، وقبل ذلك تشخيص بقايا الثقافة السياسية الإستبدادية الموروثة، التي لاتزال مُهيمنة على بُنية عقولنا ونظام سلوكنا السياسي والمجتمعي والإداري.

نحن لم نشتغل، دون أدنى شك، على ضرورة هذه المراجعة، وقد نُرجع ذلك الى جملة من الأسباب، من بينها، التحديات الأمنية والحرب ضد الإرهاب والنزعات الطائفية والعرقية بعد سقوط النظام البائد، والتي حالت –حسب التسويغات الجاهزة!-دون(التفرغ) للقيام بهذه الوظيفة كشرط مسبق لأي بناء ترومولادة عراق جديد.

وأكثر من ذلك، ربما نبرر الأمر أيضاً بوجود تدخلات إقليمية ولجوء القوى السياسية الى الإستقواء بالخارج لحل الخلافات، وإنعدام الأجواء المناسبة والظروف السانحة لتحقيق شروط البناء، خصوصاً على الصُعُد السياسية والمجتمعية والفكرية.

والحق أن أي مبررات من هذا القبيل، هي ليست، في النهاية،سوى هروب واضح من المسؤولية!، بل ربما هي عين التغطية على الفشل بذرائع واهية لاتعكس سوى إنحطاط منظورنا الفكري والعملي في مواجهة مصيرنا في الحاضر وربما المستقبل أيضاً.

كما ان هذه الذرائع والتبريرات وتسويقها للرأي العام العراقيعلى صورة عوامل(موضوعية!) حرمتنا من القيام بالمهام حتى الآن، هي مُخادعة كبيرة أيضاً، بل هي بمثابة دجل سياسي محض!، لا يهدف ضمنياً الى أي شيء آخر سوى إبقاء العراق في ظلام دامس ومستقبل مجهول ومراوحة تاريخية خانقة، خصوصاً إذا ما عَلِمنا أن كل ما يُعتبر أسباباً لهذا الإخفاق التاريخي، هو في الواقع ليس إلا مجرد نتائج متوقعة وحتمية لهذا الإخفاق ولاتتحمل مسؤوليتها اليوم أحد سوى الاطراف السياسية التي أوكِلَت اليهامسؤولية إعادة بناء البلد، ولاسيما تلك القوى والعناصر التي تمثل اليوم معالم الدولة العميقة Deep state في العراق وتتحكم بكل ضعيرة وكبيرة في البلاد ومقدراتها.

والأسوأ هو أن اليوم باتت المهمة لنا وللأسف أصعب بكثير من الماضي!، لأن المدخل في أي مراجعة نقدية لواقعنا العراقي، كشرط مسبق لبناء البلد، قد تقهقر اليوم بشكل فضيع!، بلانحصر الآن في النقد السياسي فقط والمراهنة على التغيير في هذا الحقل عبر الضغوطات والإحتجاجات المدنية والمتابعات الإعلامية وتوصيات المراجع الدينية وإهتمام المثقفين بالقضايا السياسية. وهذا المدخل، هو بطبيعة الحال، بدائي للغاية مقارنةً بأي مشروع يرتقي الى تجسيد مفهوم المراجعة النقدية الشاملة.

وإذا نلمس اليوم سطوة الحقل السياسي وأزماته على مجمل حياتنا اليومية، فمرد ذلك المراوحة والتقوقع في هذا الحقل دون إنجاز أي تحولات حقيقية تدفع بالقوى السياسية الى مزيد منالعمل بإتجاه الأهداف المرحلية، والتي تكمن في مراجعة الحالة العراقية نقدياً، والمضي قدماً نحو بناء عراق مُغاير تماماً، عراقيتسع للجميع وتتغير معه أحول البلاد والعباد ويتمتع في ظلها المواطن بحياة أفضل تليق بالمكانة الحضارية والتاريخية لهذا البلدوأبنائه.

*كاتب وأكاديمي- كُردستان العراق