قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

عبر التاريخ، كانت (الجبال) ملجأ الأكراد وصديقهم الوحيد. بعد أن سيطرواعلى منطقة (الجزيرة السورية  وعفرين)، مستفيدين من الحرب السورية ومنالدعم العسكري الأمريكي في اطار (الحرب على داعش)، توسعت أحلامهم،حتى باتوا يتطلعون للوصول الى البحر الأبيض المتوسط. لكن محرمات"الجغرافية السياسية"، التي تحيط بالأكراد وتحاصرهم من كل الجهات ، تبددأحلامهم، كلما اقتربوا من تحقيقها. في ايار 2017 ، ومن مدينة (المالكية )،أقصى الشمال الشرق السوري ، نقل (مارك تاونسند) ،مراسل صحيفة"أوبزيرفر" البريطانية ،عن( هدية يوسف) القيادية في (حزب الاتحادالديمقراطي) و المسؤولة عن ما يسمى بـ "مشروع الفدرالية الكردية"، قولها: " الوصول إلى البحر المتوسط هو مشروعنا لشمال سوريا ومن حقنا القانونيالوصول إليه". سألها المراسل: إن كان هذا يعني طلب الدعم السياسي منالولايات المتحدة مقابل المساعدة في هزيمة (تنظيم الدولة الاسلامية) ؟ .  أجابت: " بكل تأكيد.. . الوصول إلى البحر المتوسط سيحل الكثير من مشاكلشمال سوريا". مثل هذه التصريحات، الغير محسوبة النتائج، المصاحبةلـ"التمدد العسكري الكردي" على ثلث مساحة سوريا والسيطرة على خزان(الثروات النفطية والزراعية)، كافية لتثير المخاوف والهواجس لدى الآخرين من"المشروع الكردي في سوريا".  

تركيا ، التي يلاحقها شبح (سلاح أكرادها)، بات شبح (سلاح أكرادسوريا)،المحصن أمريكياً، أكثر مقلقاً لها . تركيا تخشى أن تستفيق يوماً علىوقع اعلان "دويلة كردية " ،بمباركة أمريكية، في الشمال الشرق السوري علىحدودها الجنوبية، الى جانب " الدويلة الكردية" القائمة في الشمال العراقيعلى حدودها الشرقية، التي أنشأتها أمريكا في أعقاب حرب دولية قادتها 1991 لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي، ومن ثم غزو (أمريكي- بريطاني) للعراقوإسقاط صدام حسين وتفكيك الدولة العراقية(  آذار 2003 ).  تركيا، وهي تضمأكبر (التجمعات الكردية) في المنطقة، باتت على يقين تام بأن نجاح أمريكا في تمرير "المشروع الكردي" في سوريا ، فأن الدور سيأتي عليها لا محال. المخاوف التركية من هكذا سيناريو ، تعمقت مع تأزم العلاقة مع حليفتها في الناتو( الولايات المتحدة الأمريكية) على خلفية العديد من الملفات الساخنة(داخلية ، اقليمية ، دولية) . احتضان واشنطن للمعارض التركي (عبدالله غولن)،ورفضها تسليمه لـ( أنقرة ) لمحاكمته بتهمة التخطيط لـ (الانقلاب العسكري) الفاشل (تموز 2016) على حكومة (حزب العدالة والتنمية) بزعامة (اردوغان ) ، زعزع  ثقة النظام التركي بـ ( الإدارة الأمريكية).

المخاوف التركية من تعاظم (القوى العسكرية) لأكراد سوريا، لا  تعني بأن(العمليات العسكرية) التركية عبر الحدود السورية، هي فقط لتطهير الشريطالحدودي ممن تصفهم بـ"المجموعات الارهابية- قوات حماية الشعب الكردية"،وإنما تخفي أطماعاُ تركية قديمة جديدة في سوريا . الأتراك وجدوا في الحربالسورية فرصتهم التاريخية لتفكيك أو إضعاف الدولة السورية، التي نشأت في أعقاب تفكيك(الامبراطورية العثمانية) إبان الحرب العالمية الأولى، بعداربعة قرون من استعمار العثمانيين للمنطقة ، باسم (الخلافة الاسلامية).  اردوغان الاسلامي، الذي يحن لإحياء "دولة الخلافة العثمانية الاسلامية" ،أخذ من (السلاح الكردي) الذريعة التي كان يبحث عنها وينتظرها للتوغلالعسكري في سوريا واحتلال العديد من المدن والبلدات على الشريط الحدودي. لنسف (المشروع الكردي)، من جهة أولى.  وتحقيق أطماع (تركيا الاسلامية) فيسوريا و المنطقة، من جهة ثانية. في إطار هذه الأهداف والسياسات، يندرج تهديد تركيا بإقامة ما تسميه بـ" المنطقة الآمنة" بعمق يصل الى 30 كم على طول الشريط الحدودي داخل الاراضي السورية( شرق نهر الفرات حتى نهر الدجلة على الحدود العراقية). وصف (المنطقة الآمنة) بـ" ممر للسلام"، فيه الكثير من المبالغة والتجميل والتضليل . المتوقع أن تأخذ الأوضاع في الجزيرة السورية  منحنى آخر ومنعطفاً خطيراً وتصبح ( المنطقة الآمنة ) "ممراًللموت" ، وليس للسلام، نظراً للمخاطر والمشكلات، التي ستجلبها الى ابناء المنطقة، إذا ما تم "توطين فيها مئات الآلاف من اللاجئين السوريين الموجودينلدى تركيا"، كما جاء في الاتفاق (التركي- الأمريكي) حول (المنطقة الآمنة). فمن شأن هذا التوطين ،في أجواء الاحتقان والتوترات القائمة في الجزيرة السورية،أن يؤسس لـ"فتنة عرقية وطائفية". لا يخفى على أحد، بأن الهدف التركي منتوطين اللاجئين، هو إحداث (تغير ديمغرافي) ومحاصرة  (التجمعات الكردية) بأحزمة ومستوطنات عربية، لدفع الأكراد على الهجرة وإخلاء الشريط الحدودي منهم . تماماً مثلما فعلت في منطقة (عفرين) بعد احتلالها في آذار2018. ناهيك عن أن توطين (كتلة بشرية) كبيرة، سيشكل عبئاً (اقتصادياواجتماعياً ونفسياً) ثقيلاً على جميع ابناء الجزيرة السورية، من أكراد وآشوريين وارمن وعرب.  

بقي أن نقول : أن النظام السوري غائب أو مغيب تماماً عن المشهد (السياسيوالعسكري) في منطقة الجزيرة وعن كل ما يخطط ويفصل ،من قبل الغزاة المحتلين( الأتراك والأمريكان)، لهذه المنطقة الحيوية من سوريا، وقد باتت منطقة نفوذ أمريكية، حيث تنتشر فيها (15 قاعدة عسكرية أمريكية). 

باحث سوري مهتم بقضايا الأقليات.

[email protected]