قراؤنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

ما جرى خلال الأيام القليلة الماضية أثبتت مدى واقعية السياسة الإيرانية ونهجها الذي تتبعه في المنطقة، بأنه مبني على أساس لعب دوراً أكبر من حقيقتها سياسياً وعسكرياً بناءً على ردود وأفعال تلقتها إيران وفاقت أغلب التوقعات ولربما كان السبب في ذلك يعود إلى عدم توقع هذا النوع من التعامل الأمريكي على خلفية تبلور قناعة لدى النظام الإيراني تكمن في عدم قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على اتخاذ نهج عسكري يمكن وصفه بالعمليات التي تستهدف أدمغة وديناميكية المشروع الإيراني في المنطقة، وإنما جُلّ ما تفعله أمريكا هو الاستمرار في ممارسة سياسة الضغط الأقصى من خلال العقوبات الاقتصادية لذلك شكلت عملية مقتل قاسم السليماني دهشة وصدمة كبيرة وخلق نوع من الارتباك في كيفية التعامل مع الضربة الأمريكية التي أدت إلى مقتله، وهذا ما أثبتته الوقائع التي حصلت منذ بداية العام الجديد من الهجوم على السفارة الأمريكية ومروراًبالرد الأمريكي والذي أدى إلى مقتل الرجل الثاني في مشروع الامبراطورية التوسعية، وانتهاءاً بالرد الإيراني على مقتل قاسم سليماني، والتهويل الإيراني انتقاماً لسليماني أولاًجاء بإطلاق صواريخ على قواعد أمريكية دون مباغتة، وثانياً بعض تلك الصواريخ التي سقطت لم تكن محملة برؤوس متفجرة، وفي العادة عندما يخلق أي حدث أو عملية حالة من الهلع والارتباك لدى المستهدف دون القدرة عى القيام بمواجهة حقيقية, علينا أن نعلم بأنه يكمن خلفه الضعف وعدم القدرة على المواجهة.

لم تكن تتوانى ولو لمرة واحدة عن تخفيض حدة تصريحاتها ضد الولايات المتحدة الأمريكية، فالمتتبع للشأن الإيراني قبل مقتل سليماني كان يجد في خطاب المسؤولين السياسيين والعسكريين للنظام الإيراني نوع من المبالغة والمغالاة في قدراتها وإيهام المنطقة بأنها قادرة على مواجهة أمريكا كلما هدد ترامب بالعواقب حيال تصرفات إيران،وفي هذا السياق فإن مرحلة ما بعد مقتل قاسم سليماني وأياً كانت الاحتمالات حول نهاية الصراع بين إيران والولايات المتحدة، فإن الأخيرة ستواصل زيادة حدة الضغوطات على إيران, كون العملية الأخيرة أنهت حالة التغاضي البنَاء عن ممارسات إيران في المنطقة، ومن ناحية أخرى فإن عملية استهداف قاسم سليماني تدخل في رصيد الحملة الانتخابية لترامب مهما كان الوضع الداخلي الأمريكي سواء كان لصالح ترامب أو ضده.

يبدو أننا نتجه نحو المجهول في ظل هذا الصراع بين إيران والولايات المتحدة، لكن أمريكا بإدارة ترامب، وعبر إقدامها على قتل السليماني، بينت للجميع أنها على أهبة الاستعدادلمواجهة تصرفات إيران الإقليمية، وبالقوة إذا خرجت إيران عن المألوف. إذن، وفي هذه الحالة نجد بأن لا مفر أمام إيران سوى العودة إلى لغة خطابها السياسي التصعيديمجدداً المبالغة في شأنها للخروج من هذا الوضع، لكي تخلق انطباعاً لدى الدول وخاصة أمريكا بأن استخدام القوة لا يجدي نفعاً للولايات المتحدة وستدفعها نحو دفع كلفة باهظة،في ظل واقع سياسي متذبذب لترامب والذي يفيد في أغلب الأحيان في عدم الانخراط في حرب شاملة مع إيران، ومن هنا تأتي المغالاة لدى الحكام في طهران من خلال الارتهان على السياسة الأمريكية الحالية والتي تميل إلى المعاقبة الاقتصادية أكثر منها إلى المعاقبة العسكرية، وخاصة أن إيران تعرف تماماً كيف تلتف على تلك العقوبات الاقتصادية، نظراً لوجود فوضى عارمة في المنطقة.

وبالتالي يمكن القول أن الفوضى العارمة هذه ستتعمق وتتسع لتطال دول المنطقة، بناءً على ديالكتيك الصراع الإيراني الأمريكي، وخاصة أن إيران تحاول أن تضغط على الولايات المتحدة بتحريك أدواتها في دول المنطقة من خلال زعزعة الاستقرار في الدول العربية، نتيجة تغلغلها في مفاصل الدول التي فقدت قوتها وتوازنها والتي من شأنها أن تشكل تهديداً وقلقاً لدى الحكومات العربية المتاخمة للدول التي تتواجد فيها أدوات إيران، لذلك فالمناورة الإيرانية في هذا الصراع تعتمد على أدواتها وشبكاتها الإقليمية والجمهور المتعاطف معها من العالم الإسلامي الشيعي، وجعلت من ذلك ورقة رابحة ضد أمريكا ودول المنطقة، لذلك هذا ما يجعل من إيران أن تتشبث بالمنطقة بكل قوتها، والتأثير على المتغيرات التي تجري في ظل هذه الفوضى لصالح هدفها المنشود إقامة امبراطورية ثيوقراطية في المنطقة على حساب مقدرات الشعوب وثرواتها.

لذلك تصوروا أربعة عقود من وضع كافة إرادات الاقتصادية ومقدرات البلاد في خدمة بناء القوة العسكرية والصناعية والتي يمكن تنتهي في أي وقت بسبب المشروع الامبراطوري الذي من المستحيل أن يتحقق، وسبب باستنزاف وتدمير طاقات الشعب الإيراني طيلة هذه الفترة على كافة الصعد.