قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

هذه المقالة المختصرة مأخوذة من الفصل رقم (28) من مذكرات "لي كوان يو" رئيس وزراء سنغافورة الأسبق، التي صدرت في كتاب بعنوان "من العالم الثالث الى العالم الأول – قصة سنغافورة 1965-2000".

يقول "لي كوان يو"، اخذت إجازة بين شهري أكتوبر/ديسمبر 1968م لأقضيها حسبما خططت في جامعتي "بريتش كولومبيا وهارفارد"، وعينت "غوه كينغ سوي" وزير الدفاع ليحل محلي في فترة غيابي. امضيت عدة أسابيع في جامعة بريتش كولومبيا، ثم توجهت الى بوسطن وهارفارد حيث كنت زميلا زائرا في "معهد السياسة" الذي كان ملحقا "بمدرسة جون كنيدي للعلوم السياسية". في "هارفارد ايليوت هاوس"، حيث اقمت مع 200 طالب و 10 زملاء، وتلقيت دورة تعريفية "بالثقافة الأمريكية".

كما رتب لي اجتماعات ولقاءات تعارف مع العديد من المثقفين والمفكرين والأكاديميين الأمريكيين في مختلف فروع المعرفة، خصوصا في ميادين الحكم والسياسة، واقتصاد التنمية، والدوافع والحوافز والإنتاجية. كان برنامجا كاملا يبدأ في الصباح بنقاشات مع إحدى المجموعات، يعقبها غداء عمل مع أخرى، ثم حلقة دراسية بعد الظهر، وبعد ذلك عشاء تعارف مع جماعة مميزة من المثقفين والمفكرين والعلماء.

لم تتمثل اعظم فائدة حققتها في اكتساب مزيد من المعرفة، بل في الاتصالات والصلات والصداقات التي اقمتها مع الباحثين والعلماء والمتخصصين، الذين لم يتمتعوا بالخبرة والدراية بالشؤون والقضايا المعاصرة فحسب، بل كانوا قادرين على الوصول الى المراكز العصبية للحكومة والتجارة والأعمال في أمريكا. كنت أثير الفضول في هارفارد: سياسي آسيوي يأخذ "وقتا مستقطعا" لاستعادة الطاقة واكتساب المعرفة في الوسط الأكاديمي، وقد بلغ من العمر 45 عاما، امضى عشرة منها في الحكم.

سارعوا الى ترتيب لقاءات جمعتني على موائد العشاء مع اشخاص يثيرون الاهتمام من حيث تخصصاتهم الأكاديمية في العلوم السياسية والاقتصاد والإدارة، ودراسة الحاضر للتنبؤ بمنحى المستقبل. أما اكثر المناقشات التي أجريتها فائدة، فكانت مع "راي فيرنون" من "مدرسة هارفارد للأعمال التجارية"، فقد اكتسبت منه قدرا عظيما من المعرفة العلمية والرؤية الثاقبة في آليات عمل الاقتصادات المعاصرة في هونغ كونغ وتايوان، وكنت اعود اليه كل اربع سنوات لتعلم المزيد.

عثرت على العديد من الأفكار الجديدة الأخرى، وحصلت على معلومات من كثير من الخبراء والمفكرين الآخرين الذين تمتعوا بدرجة رفيعة من الذكاء، وان لم يصيبوا على الدوام في كل آرائهم. كانت هارفارد جامعة ليبرالية متشبثة بليبراليتها بكل عناد. لم يكن فيها أي عالم او دارس مستعد لأن يقول او يقبل بوجود أية فوارق فطرية متأصلة بين الأعراق او الثقافات او الأديان. فكل البشر سواسية، والمجتمع لا يحتاج إلا الى سياسات اقتصادية صحيحة ومؤسسات حاكمة قوية ليحقق النجاح. كان العلماء والمفكرون والمنظرون الذين قابلتهم على درجة من الذكاء والألمعية بحيث وجدت من الصعب تصديق انهم يعتنقون فعلا هذه الأراء التي أكرهوا على إعلان تأييدها ونصرتها. تميز أعضاء كلية "هارفارد" الذين قابلتهم على موائد الغداء والعشاء بالذكاء، وحدة الذهن، وسرعة الخاطر، والقدرة على التحفيز، حتى وإن لم تتفق معهم في الرأي دوما.
يذكر "لي كوان يو" في هذا الفصل، ان الأكاديميون في جامعة "كامبريدج" الأمريكية - بولاية ماساتشوستس - يختلفون عن نظرائهم في جامعة كامبريدج الإنجليزية. فقد رتع أساتذة الجامعات البريطانية في الفترة الممتدة بين الأربعينات والستينات في بروجهم العاجية، بعيدا عن صخب وضجيج السياسة وصناعها في لندن و "ويستمنستر" (الحي الذي تقع فيه معظم مكاتب الحكومة). أما أساتذة الجامعات الأمريكية، من ناحية ثانية، فترتفع مكانتهم بالارتباط بالحكم وصناع القرار. وفي عهد الرئيس "جون كنيدي" إعتاد كثير منهم التنقل ما بين بوسطن ونيويورك وواشنطن. فموطن القوة الذي تمتع به الأكاديميون البريطانيون آنذاك هو الدراسة الدقيقة للماضي بما تتطلبه من حدس وتخمين، وليس الحاضر او المستقبل. ولم يكن هناك تفاعل مباشر بينهم وبين التجارة والصناعة، الذي وفرته "مدرسة هارفارد للأعمال التجارية" لطلابها مثلا.

وخلافا للبريطانيين، لم يحصر الأمريكيون انفسهم ضمن نطاق الدراسة النقدية الاستقصائية للماضي، بل كمنت قوة المعرفة الأكاديمية الأمريكية في دراسة الحاضر للتنبؤ بمنحى المستقبل. وجعل علمائهم وخبرائهم المتخصصون في المشكلات السياسية والاقتصادية من "منهج توقع المستقبل" اعتمادا على اتجاهات الحاضر موضوعا يحظى بالمكانة والاعتبار تحت اسم "الدراسات المستقبلية".

آخر الكلام: "لي كوان يو"، درس الحقوق ومارس المحاماة لسنوات، ولما اصبح رئيسا للوزراء لم يرى غضاضة في اكتساب العلم والمعرفة في العلوم السياسية والاقتصادية والإدارية، بل رأى ذلك ضروريا وسعى اليه، ليتمكن من التعامل والتفاهم بسلاسة مع وزرائه كل في مجال اختصاصه. وهنا أتساءل: اغلب حكام العالم الثالث، الذي من ضمنه عالمنا العربي، هم من خريجوا الكليات العسكرية، ولا يفقهون إلا النزر اليسير او لا شيء على الاطلاق في العلوم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويفتقرون الى المعرفة العلمية في آليات عمل الاقتصادات المعاصرة. هل سمعتم ان أحدا منهم تواضع وحذا حذو "لي كوان يو"؟