أعترف أني وفقَ التفكير الموضوعي، لا أستطيع التراجع عن قناعتي بأن اليمين الإسرائيلي المتطرف – سواء كان في واجهة الحكم أو خلف الستار – هو أحد أعداء إقامة السلام العادل بين الفلسطينيين والاسرائيليين كجوهرٍ لإقامة السلام الشامل والدائم في الشرق الأوسط ، السلام الذي يكون في مصلحة الاجيال القادمة ، والتي بدورها ستدافع عنه وتصونه. وأعترف أن ما يعنيني من تعقيدات السياسة الأمريكية في هذه المرحلة هو تحقيق مصالحي ، دون دفع أثمانٍ على حساب مبادئ معروفة ومتوارثة ومدروسة.

وأعترف ايضاً أن فهمي المتواضع للمدرسة السياسية لدى قيادتنا انها تقوم على اساس وفاء وخدمة لشعب ، وانتماء لقومية عربية وخدمة مصالحها وعلى رأسها نصرة الشقيق الفلسطيني، ثم نزعة عالمية نحو الخير والعدل والسلام لكل شعوب الارض.

واعترف أن هذا التقييم السياسي المثالي بالإضافة الى انه مبدأً، فهو كان دائماً ضرورة تتماشى مع حقائق الجغرافيا والديمغرافيا والإقتصاد.
وبعد، فعندما راقبت ردود فعل بعض الشارع العربي على اتفاق تطبيع العلاقات بين اسرائيل ودولة الامارات العربية المتحدة الشقيقة، استذكرت ردود الفعل بعد اتفاق كامب ديڤيد ، وأوسلو، ووادي عربه، طبعاً مع الأخذ بالاعتبار ان اطراف الاتفاق العرب الثلاث منذ عام ١٩٧٩وحتى ١٩٩٤ كانوا معنيين مباشرة بسبب آثار حالة الحرب المباشرة مع اسرائيل. والآن ستهبُّ عاصفة جديدة بعد الاعلان عن اتفاقية تطبيع أخرى للعلاقات بين اسرائيل ومملكة البحرين الشقيقة .
أمام هذا الواقع والمعطيات، وايماناً بأن تطبيق سياسة فنّ الممكن تكون الأكثر حصافة في ظل الظروف العربية والإقليمية والدولية الحالية، فإني آمل ان تحكم ردود أفعالنا ، وخاصة لدى الأصدقاء في رام الله ، العناصر التي ادرجها في اطار الملاحظات التالية:-

١: من الأجدى أن لا نكون معنيين بتلك التحليلات والتقييمات التي ترى ان اتفاقيات التطبيع العربية الاسرائيلية الجديدة ستخدم سياسياً وانتخابياً كلاً من نتنياهو وترامب. واي طقوسٍ احتفالية بعد ايام في البيت الأبيض لن تغير من حقيقة ( محلية ) مزاج الناخب الامريكي.

٢: لقد تأذت العلاقات البينية العربية منذ مطلع التسعينات بشكلٍ غير مسبوق واستمرت بانحدار خلال العقد الماضي بما عاد بالضرر الملحوظ على العمل العربي المشترك في جميع المناحي، واي انقسام عربي اضافيٍ الآن سيزيد من الضرر الذي انعكس وينعكس على حياة المواطن العربي في أغلب الدول العربية

٣: اعداء السلام، ومنهم اليمين الصهيوني المتطرف، يطمح الى دقّ مزيدٍ من الأسافين بين الدول العربية،وليس من الحكمة ان نقدم لهم هذه الهدية المجانية.

٤: الذكاء السياسي يقتضي أن يتم اتباع استراتيجية لتحقيق الاستثمار الأعلى والأمثل لمصلحة الجانب العربي، والفلسطيني تحديداً كنتيجة ( لهجمة ) التطبيع والسلام، وليس العكس من ذلك وهو الوقوع في مطب تسخين الخلافات العربية العربية والذي بالضرورة ستفرح له كواليس المتطرفين في اسرائيل ( ومواقع أخرى ).

٥ : ليس من مصلح الجانب الفلسطيني ( وفق تقديري) أن يسمح لبعض شارعه أن يشيطن بعض المواقف السياسية العربية، واشقاؤنا ونحن معهم، ندرك تماماً الدرس التاريخي :إن احتدام الخلاف العربي كان دائماً مضرةً للدول العربية ، وخاصة الصغير منها حجماً وإمكانيات، والدرس الذي تدركه القيادة الفلسطينية تماماً أن وحدة العرب قوة لهم، وتفرقهم طالماً ولّد الأذى للمصلحة الفلسطينية.
وأثقُ بحكمة القيادة الفلسطينية ممثلة بسيادة الرئيس محمود عباس بأنها ستهدف الى إدامة الدفء في قنوات التواصل بين العواصم العربية، ومؤكدٌ ان دول الخليج العربي الشقيقة لن تقف عند اصوات نشاز، وستستمر في دعمها المعهود لاشقائها وتبقي على تشاورها المعهود وتكثفه في المرحلة القادمة.

٦: لقد عملت دوائر يمينية متطرفة منذ اتفاق اوسلو لخلق قناعة لدى الرأي العام العالمي بأن العرب والفلسطينيين بشكل خاص، ليسوا طلاب سلام، واكثر من ذلك حاولوا ان يلصقوا الارهاب ببعضنا، وتقديري ان الفرصة قد تكون سانحة، لدى الاعلام العربي الذكي، لاثبات عكس ذلك من خلال أستثمار النوايا العربية لتطبيع العلاقات مع اسرائيل، ما تم منها ، وما يمكن ان يتم لاحقاً ، مما يؤكد صدق النوايا لتحقيق السلام، وصدق رسالة خطة سلام قمة بيروت عام ٢٠٠٢

٧: والنقطة الأخرى التي لا تقل اهمية أيضاً، والتي كانت ملحوظة منذ مؤتمر وارسو في شباط من العام الماضي حول زيادة توتير العلاقات العربية الايرانية.
ومع الاعتراف بأن ايران اخفقت اكثر من مرة في احترام قواعد حسن الجوار المنصوص عليها في قواعد القانون الدولي، ومع ذلك ، فقد كان تقديري ان البعض في مؤتمر وارسو كان يهدف الى تحقيق تحالف ضد ايران وصفته آنذاك انه يحقق مصالح اسرائيل بسلاحٍ أمريكي، وتمويلٍ خليجي، وبدم عربيٍ لا سمح الله. وخيراً فعل وفدنا هناك عندما اوضح أن السبب الرئيسي للتوتر في منطقة الشرق الأوسط هو عدم الوصول الى حل للنزاع الفلسطيني الاسرائيلي القائم على اساس انشاء الدولة الفلسطينية على الاراضي المحتلة عام ١٩٦٧ وعاصمتها القدس الشرقية.

*سفير أردني سابق