قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

قبل أيام قليلة فائتة تلطّف أستاذي الدكتور حمد السويلم، رئيس النادي الأدبي ببريدة، بدعوة كريمة في شرق القصيم، وصحرائه، وهي دعوة حضرها لفيفٌ لطيف من الأساتذة الأكاديميين في جامعة القصيم، المشتغلين - فيما لمستُ - في مجال البلاغة والنقد تحديدًا.. وقد زامن ذلك الحضورَ طرحُ موضوعِ الأسلوبية؛ باعتباره موضوعًا يشغل النقّاد والبلاغيين، وقد قُدِّمتْ ورقةٌ احتوت على مسائل ثلاث، واختلافات وتباينات ثلاثة، نروم منها الوسطية، كما هو عهدنا وخبرتنا الدائمة!

دون الخوض بتلك التفاصيل ، وكون الأخذ من الغرب وثقافته ومناهجه مسألة اختيارية أو جبرية، أقول: إنّ مسألة الانفتاح على الغرب ونظرياته وعلومه ومناهجه باتت مسألة محسومة، ولا يجوز أن نشغل أنفسنا بمرحلة قبل هذه المرحلة؛ بحثًا عن وسطية مصطنعة؛ فالغرب -عبر أدواته ومناهجه وحضارته الباهرة - لم يترك لنا مجالا للاختيار، والبحث والتقصي؛ فقد بتنا أمام كتلة هائلة من العلوم والمعارف والمنهجيات لا تجدي معها العودة لتراثنا والتنقيب فيه عن أساس لتلك العلوم والمعارف... وتلك علوم ومعارف ونظريات غربية لم نستطع هضمها بعد؛ فضلا عن استيعابها وتوظيفها في ثقافتنا ومفرداتها..

الغرب - من خلال أوربا وأمريكا - سجّل قفزة في الحضارة البشرية، وهي قفزة نوعية انفجارية مختلفة، لا يجوز أن نخضعها لمعارفنا وثقافتنا، وسيبويه والجرجاني وابن جنيّ، مع تقديرنا لحضورهم ومعارفهم التي كانت إبداعات وإضافات في عصرهم؛ بل ولا يجوز إخضاع هذه الحضارة لأي حضارة أخرى سابقة!

الثقافة الغربية ثقافة انفجارية، بمعنى أنها استطاعت -إلى حد كبير- الإفلات مما انتظم الحضارات السابقة، من نشوء وتطور، يتلوه ذبول وسقوط وتراجع، وهي ثقافة مكّنت الغرب من السيطرة على مفاصل الحياة المعاصرة : اقتصاديًا وفكريًا وإنسانيًا وثقافيًا ولغويًا وأدبيا ونقديًا... ونحن مازلنا نرى أنّ الغرب ينتظر منّا جواز عبور، يمنحه تلك المكانة، وتلك الاستقلالية؛ فضلًا عن تلك الهيمنة على مفاصل الحياة المعاصرة!

الحضور في تلك الجلسة الكريمة الفارهة كان يهيمن عليه اتّجاهٌ واحد، يتمثّل في البلاغة، وربما النقد، وبقدر إسهام المشتغلين في ذلك المجال، وتقديمهم معارف ومنهجيات جميلة؛ إلا أنّ الاختلاف والتباين كان غائبًا... والانشغالُ بجزء معرفي أمرٌ مهمّ، ولا شكّ في ذلك؛ لكنّه وضعٌ قد يدفعنا لإغفال جوانب فكرية عامة مشتركة تنتظم عموم المعارف وتفحصها وتختبرها، وهذه الجوانب المعرفية المهمّة قد تعتبر بلاغتنا العربية محاولة لتنميط الذوق، وتكبيل النقد، وجعله معياريًا، يكرِّر فيه المتأخرُ ما قاله المتقدِّمُ؛ بينما النقد عمل يقوم على التجاوز والإضافة، ولا يجوز تحنيطه!

تحدث الأحبة الفضلاء - في تلك الجلسة - بأحاديث مثرية؛ لكنّها بقيت في حدود البلاغة والنقد التقليدي، وربما انسحب وتسلّل مفهوم البلاغة العربي التقليدي إلى النقد الحديث؛ فجعل النقد الحديث فرعًا لتلك البلاغة المعيارية، وهذا ما يصعب فهمُه واستيعابُه؛ فالنقد الحديث - بمفهومه العام - لم يعد أسيرًا لتلك النظرة البلاغية المعيارية؛ بل بات النقد أفقًا واسعًا لم تعد محاضن البلاغة العربية التقليدية قادرة على احتضانه، وهذا ما يجب أن يدركه القائمون على تلك البلاغة ومفرداتها، وهذا يحتم على أولئك تطوير أدواتهم، وأشكال حضورهم...

الأمة العربية والإسلامية كانت إمبراطورية تحكم كثيرًا من العوالم، وتلك الرؤى الحالمة، ومنها هذه النظرة البلاغية التقليدية الحالمة كانت تنظر عالمًا محكومًا بسيطرتها؛ لكنّ ذلك العالم المحكوم بات حاكمًا مسيطرًا، وهذا يتطلب إعادة النظر في تلك النظرة والأدوات، وما جلبته من مفردات خادعة مضلِّلة، تدفع بنا لإطلاق أحكام، غير مبرَّرة!

العرب والمسلمون باتوا أمام ثقافة غربية أوربية أمريكية هائلة، لا يجوز اختزالها برؤية هشّة هامشية، والزعم بأنّ منتهى طموح البشرية يكمن بالديمقراطية الغربية وليبراليتها لم يصدر من فراغ... ونحن ما زلنا نجلب مناهج غربية منبثقة من نظريات علمية غربية؛ لكنّنا لم نفلح بعد في تطبيقها تمامًا؛ فمازال الأستاذ الدكتور عبدالله الغذّامي رائدًا لنا في تلك المسألة، وكفى بريادته دليلًا على انكماشنا وضعفنا!