مدن من أجمل مدن كوردستان العراق، تقع عند التخوم الجنوبية والشمالية الغربية والشمالية الشرقية من الإقليم مستقبلة ومودعة الشمس في شروقها ومغيبها من سنجار وزمار في الزاوية الجنوبية الغربية إلى سهل نينوى والشيخان ومخمور وكركوك في جنوبها وصولاً إلى الزاوية الشمالية الشرقية في مندلي وخانقين وأطرافهما. هذه الحواضر التي نقشت تاريخ حضارة الإنسان بأحرف من نور، تعرضت وخلال أقل من قرن إلى هجمةٍ همجية متخلفة عاث منفذوها في الأرض فساداً ودماراً لعشرات السنين، مقترفين أكثر الجرائم قساوة بحق سكانها الأصليين، حيث التغيير الديموغرافي المتخلف وتغيير القومية (قانون تصحيح القومية) ونقل السكان وتهجير الآخرين والتبعيث القسري الذي طال أناس لا يجيدون حتى لغة الأمة التي أراد البعثيون توحيدها تحت شعارهم المثير (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة) فوأدوا أوّل محاولة لتوحيد سوريا والعراق وأعدموا رموزها!
هذه المدن التي عبثوا بتكوينها وأشكالها ومكنوناتها، وأرادوا تقبيحها بأساليبهم العنصرية المقيتة، بتمزيق أوصالها وتعريب سكانها بمشاريع عبثية أنفقوا عليها عشرات المليارات من الدولارات ومئات الآلاف من الضحايا، هذه المشاريع العبثية انهارت خلال ساعاتٍ بعد سقوط نظامهم، وتهاوت أمام حقيقة تلك المدن وهويتها التي أرادوا تغييرها بشكل عنصري، ولكي يثبت سكانها الأصليون وقياداتهم تمسكهم بالقانون واحترامهم له طالبوا بأن تكون كل إجراءات محو آثار التغيير الديمغرافي قانونية ولا تستخدم فيها أساليب قسرية خارج القانون، ولأجل ذلك تمّ تثبيت تلك الإجراءات في قانون إدارة الدولة ومادتها 58 عام 2004م، وبسبب الأوضاع السياسية وتحضيرات الانتخابات وكتابة الدستور مطلع 2005م، تمّ ترحيلها إلى الدستور وتثبيتها في المادة 140 التي وضعت خارطة طريق تتضمن ثلاثة مراحل هي التطبيع والإحصاء ومن ثم الاستفتاء على تبعية تلك المدن بين إقليم كوردستان أو الحكومة الاتحادية، لكن للأسف ومنذ 2005 وحتى يومنا هذا عملت كل الحكومات المتعاقبة على المماطلة في تنفيذ تلك المادة بحجج واهية تؤكد أن ثقافة العنصرية متوارثة للأسف بأشكال وعناوين مختلفة لكنها واحدة في السلوك والتصرف، فقد اتضح أنها متكلسة في توجهات الكثير من الحاكمين الجدد الذين وبعد ما يزيد على 20 عاما أثبتوا بما لا يقبل الشك أنهم ينتهجون ذات الطريق، حيث منعوا تطبيق المادة 140 من الدستور، بل وعملوا جاهدين على إبقاء كل آثار التشويهات التي تركتها الأنظمة السابقة دون أي تغيير يذكر، بل بانت تحضيراتهم في تشكيل قوات مخصصة لاقتحامها واحتلالها بعد أن تحررت في نيسان 2003، وحصل ما لم يتوقعه الجميع حينما اجتاحوها لمجرد خلاف سياسي بين الإقليم والحكومة الاتحادية العراقية، وأقحموا القوات المسلحة والحشد الشعبي وفصائله وبإشراف مباشر من الجنرال الإيراني قاسم سليماني ومشاركة خبراء ومستشارين ومقاتلين من الحرس الثوري الإيراني في المعارك التي جرت بعد 16 أكتوبر 2017م في كل من التون كبري وسحيلة، في خرق فاضح وخطير للدستور الذي يحرم استخدام القوات المسلحة في النزاعات السياسية داخل العراق، بل ولكل قيم المواطنة والشراكة والتوافق.
ومنذ ذلك الحين تمّ استباحة تلك المدن من قبل ميليشيات طائفية يتحكم في سلوكها التعصب القومي والمذهبي الذي دفعها إلى إعادة كل مشاريع التغيير الديموغرافي والترحيل القسري واضطهاد السكان الاصليين كما يجري الآن في سنجار وكركوك وطوزخورماتو وداقوق وخانقين، حيث تأن هذه المدن من أوجاع الهيمنة التي لا تختلف عن أي احتلال عسكري لدولة أو مدينة، فقد قتل المئات من أبنائها وتمّ حرق مئات المحلات التجارية لأصحابها الكورد، ناهيك عن تهجير مئات الآلاف من سكانها الذين ما زالوا يرزحون تحت ظروف قاسية في مخيمات النازحين، ويخشون العودة إلى مدنهم بسبب الانفلات الأمني وسيطرة الميليشيات على مقدرات تلك المدن التي بدأت منظمة داعش التوغل في مفاصلها لغياب أي خطة أو برنامج لمكافحتها، خاصة وان القوى المهيمنة على تلك المدن منهمكة في عمليات التهريب والتجارة السوداء وتنفيذ أجندات إقليمية لربط إيران بمنابع النفط وسواحل البحر الأبيض المتوسط.
هذه حقيقة (المناطق الكوردستانية خارج ادارة الاقليم) بين العراق واقليم كوردستان هذا اليوم، بعد أن غمرتها انوار الحرية والتعايش والامان ساعة انهيار النظام البعثي في نيسان 2003م، فازدهرت وتعمرت طيلة 17 عاما، وأمست اليوم خربة مرعوبة تعيش في ظلام مدلهم من العنصرية والتطرف المذهبي والديني، ترتع فيها خلايا داعش التي أحيتها الميليشيات ثانية، حتى لا يكاد المرء يفرق بين الأثنين!
[email protected]
- آخر تحديث :
التعليقات