قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

في هذه الصفحات نفحات من سير رجال كانوا منارات مضيئة، وسطعوا نجومًا في سماء بلادهم والعالم.


ثعلب السياسة، وداهية العصر، وعَرّاب اللحظات الحاسمة.. جملة ألقاب في رجل واحد تَرْجَح خبرته وشهرته بآلاف الساسة والمحنكين. لديه بعد نظر وسرعة بديهة وحجته تدحض كل المزاعم التي أمامه وهدوء عجيب ورميٌ بالمنطق المحكم تجعله دائمًا المنتصر في كل المناظرات والمقابلات والمؤتمرات بكل ثقة.

منذ نعومة أظفاره نشأ في بيت حكمة وكرم وعزم. كل من عرفه عرف أنه ما دخل في موضوع شائك إلا وحسمه،وأنهاه نهاية رابحة، وما لاحت له فرصة ولا شِبْه فرصة إلا انتهزها انتهازةً تَنفَع من وثق به، وتُحرِج مَن تهاون ببُعد نظره،ودقة رميه. يعرف هناك في الأوساط السياسية الأمريكية بالرجل الساحر.

كان بفضل الله ثم بحكمته ودهائه وقوة علاقاته يد السعودية الطولى في الأوساط السياسية الأمريكية المتقلبة، وهو السفير والطيار الحربي والسياسي المحنك والابن الثالث لولي العهد السابق الأمير سلطان بن عبدالعزيز رحمه الله تعالى.

إنه المُحَنَّك بالتجارب والمواقف صاحب السمو الملكي الأمير بندر بن سلطان. ولد في محافظة الطائف كجبالها شامخاً في الثاني من جماد الأولى عام 1368هـ الموافق للثاني من مارس عام 1949م. وتلقّى تعليمه الأساسي في السعودية، ثم التحق بكلية كرانويل للقوات الجوية، وتخرّج فيها في عام 1968م.

وحصل على تدريب متقدم في قاعدة ماكسويل الجوية، ومدرسة دوايت د.أيزنهاور لاستراتيجية الأمن القومي والموارد، ثم أصبح مدرب طيران وقائد لسرب طائرات F -5 في القوات الجوية الملكية السعودية.

بعد أن أنهى مسيرته العسكرية دخل معترك السياسة،فذاع صيته في الأوساط السياسية، وكان حلقة الوصل بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية،وكانت البداية في عهد الملك خالد بن عبدالعزيز رحمه الله، وكان له الأثر الأبرز في تمرير صفقة طائرات F - 15 إيغل عام 1978م، والأواكس، كما كان له دور حيوي في حرب الخليج الأولى التي اندلعت بين العراق وإيران. أما المرحلة الثانية بدأت في عهد الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله؛ إذ تمكن الأمير بندر من تشكيل لوبي سعودي داخل الأروقة السياسية الأمريكية. وصف هذا اللوبي بأنه من أقوى اللوبيات داخل البيت السياسي الأمريكي.

لقد شكل الأمير بندر الكثير من الصداقات على المستوى الشخصي والسياسي مع كبار الساسة الأمريكان،في كلا الحزبين الجمهوري والديموقراطي وماكان ذلك ليؤثر في مكانته من كبار أركان الحزبين لبراعته في نسج تلك العلاقات واستطاع تطويع هذه العلاقات في خدمة القضايا التي تهم الجانب السعودي والعربي.

كانت لصداقة بندر بن سلطان والرئيس الأمريكي رونالد ريغان وزوجته نانسي ريغان بالغ التأثير في القرارات السياسية التي تصب في مصلحة السعودية. وكذلك علاقاته الوطيدة مع عائلة آل بوش ثم بيل كلينتون ومن أتى بعدهم حتى أُطلق عليه لقب الساحر بل وأكبر من ذلك إذ وُصف بالقوة الرابعة في أمريكا.

لا يمكن تسليط الضوء على المنعطفات السياسية التي خاضها وكسبها ثعلب السياسة.. الممكن فقط ذكر نبذة منها وشيء من إرهاصاتها التي تؤكد دوره المحوري لا في قضايا وطنه فحسب، بل في قضايا العالم. كان لايدخل في أمرٍ ما إلا وأنهاه كما يريد بفضل الله ثم بمكانته التي زرعها هناك وقوة تأثيره.

لقد لعب دوراً حاسماً في إنهاء الحرب الأهلية اللبنانية،وكان الوسيط السياسي الأبرز والمكلف من قبل الحكومة السعودية لإنهاء تلك الحرب،وقاد المفاوضات بين القيادة السورية والقيادة اللبنانية وقادة الأحزاب اللبنانية.وفي قضية لوكربي وصفقة الصواريخ الصينية وتمرير صفقة طائرات الأواكس وغيرها.

وقد ترأس الأمير بندر الاستخبارات السعودية، بالإضافة إلى كونه الأمين العام لمجلس الأمن الوطني، كما عُيِّنَ مستشاراً ومبعوثاً خاصاً لخادم الحرمين الشرفين. ما ذُكر اسم الأمير بندر إلا تَذَكَّرَت الأذهان مسيرته الحافلة بالمنجزات السياسية الجوهرية التي غيرت معالم العالم، ومهدت لعالم جديد نعيش الآن تفاصيله. سيذكر التاريخ أن رجلا خرج من الصحراء مشتملاً بعباءة أصالته، وفي عينيه ذكاء عربي وقّاد، وفي ملامحه حنكة موروثة من بيت حنكة،خرج لا ليبني مستقبله كما نفعل، بل ليبني مستقبل بلاده ويحميه، ويُسهِم في بناء مستقبل أفضل لا يُسهِم فيه بنائه إلا الكبار.

كان الرؤساء في كل دول العالم يتقدمون عبر سفرائهم بطلب زيارة ومقابلة الرؤساء الأمريكان وينتظرون لشهر أو شهرين للموافقة أو الإعتذار أما الأمير بندر فيأتي لمكتبه في الصباح الباكر ويتصل بالرئيس الأمريكي ويذهب لتناول طعام الإفطار عنده فورًا خلال دقائق وكان رأيه ذا أهمية واعتبار هناك.

تحدث عنه أغلب الساسة في كل دول العالم وتحدث عنه كبار الكتّاب والصحفيين وأُلّف عنه المقالات والكتب لعل أبرزها ماكتبه ( وليام سيمبسون ) في كتابه الشهير ( الأمير ) عن الأمير بندر. عاش كبيرا، وسيظل كذلك، وسيبقى في ذاكرة التاريخ كبيرا، ورمزاً شامخاً في الوطن الكبير.

سيظل حفظه الله رمزًا كبيرًا ومثلًا عظيمًا في كل مناصبه التي تقلدها في المجال العسكري أو الوظيفي أو مجاله الأرحب المجال الدبلوماسي وسيظل المفاوض البارع الذي يتسلل خلسةً لعقول وأذهان مفاوضيه وينقادون له فيما يريد. اليوم نرى ابنته الأميرة ريما بنت بندر تتقلد وتتسنم دوره بكل اقتدار.