قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

لا أزال أبحث عنه في الوجوه والظلال... لعلّي صرتُ أراه في الوجوه التي اصطبغت بالسماحة والهدوء وحب الخير، أو لعلّه ذاك الشعر الأبيض الذي كان قد أحاط بوجهه كهالة من القداسة الرحيمة... لا أعلم... ما أعلمه أني لا أزال أبحث عنه، لعلّه لم يرحل، لعلّه لم يرحل أبدًا...
رحل حين لم نكن جاهزين للاستمرار من دونه، فنحن لا نزال بحاجة إلى يده لتمسك بيدنا، وتنير لنا الشعلة، وتشير إلى موضع السلام وسبيل التصالح مع النفس، وهندسة نمط الحياة بما يريح النفس ويُبعد الألم...
غريب أمر هذا الموت الذي يحصد الأرواح من دون سبب؛ يحصد الخيّر قبل مَنْ أنبتَ الشرَّ في نفسه، ونفَثَ السُّم في محيطه، وطغى وتجبّر واستبدَّ... ما الحكمة يا تُرى؟
قد نعلِّل النفس ونصبِّرها بأنّهم لم يُخلقوا لحياةٍ دنيا فيها الباطلُ استفحل، والفساد، والشرّ، ولكن، لمَ خُلقوا بالأصل إذا لم تكن هذه الدنيا لتناسبهم؟ أليسكنوا أرواحَنا وليكونوا بلْسَمنا وليشكلّوا أملنا وليُنبِتوا غَدَنا ثم بصمت يرحلون؟
بصمتٍ رحلوا... بصمتٍ يرحلون...
بصمتٍ يرحلون... لكنّهم يُخلفّون في إثرهم الضجيج!
ضجيجُ الدمع، والألم، والقلق، والفَقدِ، والشوق، والحنين... ضجيج البسمةِ التي هجرَتْ ثغْرها، والضحكةِ التي عافَتْ شغافَها، والسكينةِ التي أقْصَتْ أمانها...
بصمت يرحلون لكنّهم يخلّفون في السبيلِ الوحدةَ، وكأنَّ العالمَ مِن بعدهم قفرٌ خلا إلاّ من سليط الرمال وأسنَّة الصخور والأفاعي... الأفاعي التي انتقَعَتْ بالسمِّ وخالطَ فيها اللحمَ والبدنَ، وتلوَّتْ يمنة ويسرة تنفثُ سمومها في كلِّ عرقٍ أخضر ليصفرَّ...
لعلَّ هناك حكمة في أنْ يَرحلَ الخيرُ ويحيا الشرُّ، أنْ يُحجَبَ العطاءُ وتُبرَزُ الأنانية، أنْ تُوارى الإنسانيةَ بالثرى ويُعلى القتلُ المُغتَصبُ المبتزُّ... لعلَّ هناك حكمة لم ندركْها بعد... ولكن...
لعلَّ الموت هو هذا الحاصدُ المستبدُ، الذي يُعمِلُ منجلَه في الحقل وقد نضج، إلاَّ مِنْ بعض السنابل التي لم يحِنْ أوانها بعد، لكنَّ المكان يقضي عليها لأنَّها كانتْ حيث يجب ألاَّ تكون... والبشر لعلَّهم كذلك، أرواحهم يتسبَّبُ باِنسلاخها عن قميصهم المكانُ، يُعْييها، يَغرزُ فيها اليأس، وقد يُجفِّفُها بكل بساطة لتصبحَ كاللحم القديد...
لعلَّ الموت هو جهنَّم التي يحذِّرون منها... فلا عذابَ أكبر من شعور الشوق إلى من طواهُم اللحدُ، وحضنَهُم الثرى... ولا عذاب أكثر من أنْ تراهم في وجهٍ مارقٍ، في بسمةٍ عابرةٍ، في هيولة مارّةٍ، فَتندفعُ وقد جلا النبضُ في فؤادِك لتِدركَ بعد ثوانٍ أنَّ المُشاهَدَ غريبٌ، مجهولٌ لا تعرفُه، وأنَّ الشوقَ مَنْ صوَّرَ لك دِعَةَ البسمةِ ودفئها أمًا، والشيبَ مُخلِّصًا، واستدارةَ الوجه صديقًا...
يرحلون بصمت، لكنّهم يخلّفون الضجيج... ضجيج اختلالِ التوازن ما بين الفرحِ واللا فرح في قلبك؛ وكأنَّهم يأخذون منك المكان الذي سكنوه، ويوقِفون الأزمنةَ عند تلك اللحظة التي هي لحظات، وذلك اليوم الذي هو أيام، وقد نسيْتَ معهم يدَك، وأنشودةً يحبون ترديدَها منذ الصغر وحفِظْتَها منهم وأنت صغير...
ورغم سكونِ جزءٍ من قلبنا وصمْتِ نبضِنا، إلاّ أنَّ الضجيجَ الذي يصنعونَه بعد الرحيل يكوي كلَّ يوم؛ يسلو الِاطمئنانَ، ويُعاجِل بِالسيف كلَّ ملقى ابتسامةٍ... أليسَتْ هذه هي النار؟ أليس هذا الجحيم؟ أليس هذا العذاب؟ أليس هذا بِجزاءٍ؟!
لا نار أشد اتقادًا من نار الشوق إلى من طواهم اللحد على حين غفلة منَّا أو بعدَ إنذارٍ ووعيد، ولا عقاب أكثر إيلامًا من وجعِ البحثِ عنهم في الوجوه وفي الظلال المارقة، والعيشِ بعدهم في الضجيجِ...
وفي جهنم الروح هذه، لا أزال أبحث عنهم إذْ لعلَّهم لم يرحلوا ولعلَّني لا أرتَعُ في الضجيجِ...