قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

يراهن الكثير من المحللين أن طبول الحرب تقرع في المنطقة، وأن واشنطن وتل أبيب تدفعان تجاه التصعيد مع إيران عبر ما يُعرف بالناتو الشرق أوسطي المزمع نقاشه خلال لقاء الرئيس الأمريكي مع قادة المنطقة في جدة الشهر المقبل.

قراءات "التصعيد" مبنية على ركيزتين الأولى ترتبط بإسرائيل التي أعلنت أن استراتيجيتها الحالية تستند إلى ضرب رأس الأخطبوط الإيراني وليس فقط أذرعه، وهذا ما تنفذه على الأرض عبر عمليات محددة النطاق والأهداف في العمق الإيراني، إلى جانب تكثيف ضغوطها لعدم خروج اتفاق نووي إيراني أمريكي لا يعالج مخاوفها الأمنية عبر التأثير على صياغة الاتفاق إن حدث رغم أن المؤشرات على التوصل لتفاهم إيراني أمريكي ضعيفة جداً، إلا أن ما يجري في العالم وخاصة الحرب الروسية الأمريكية قد تعزز من فرضية نجاح المفاوضات وتقديم التنازلات.

الركيزة الثانية لمؤيدي فكرة الحرب ترتبط بدول المنطقة وخاصة الخليجية منها، وهي مبنية على تخوف هذه الدول وقلقها من تصرفات الجار الإيراني، وتدخلاته المتواصلة في شؤونها الداخلية وإصراره على تصدير ثورته تجاهها، هذا فضلاً عن الشواغل المتزايدة من البرنامج الصاروخي والطائرات المسيّرة وأذرعها الإقليمية.

الركيزتان منطقيتان إذا ما تم أخذهما بشكل أمني وعسكري بحت، إلا أن مناقشة هذا الطرح بشكل أعمق يشير إلى أن دول المنطقة ذاهبة باتجاه تخفيض التصعيد لا زيادته، وإن كانت كل دولة تسعى لهذا الخفض لأسباب قد تكون مختلفة.

المملكة العربية السعودية وفي ظل رؤيتها 2030 وتوجهها نحو التأسيس لمرحلة جديدة من التنمية الاقتصادية من غير المرجح أنها ذاهبة تجاه توريط المنطقة في صراع مباشر مع طهران، في الوقت الذي تطمح به للخروج من النمط التقليدي الذي ميز المملكة لسنوات منذ نشأتها، وتسعى أن تصبح مركزاً اقتصادياً عالمياً عبر مشروع نيوم الذي يجسد التوجهات التي يتبناها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والذي يسعى فعلياً لتغيير وجه المملكة، ولعل المحادثات السعودية الإيرانية الجارية رغم كل الحديث عن التحالفات العسكرية يدلل على أن عقلية الدولة السعودية والإيرانية متجهة نحو إيجاد تسوية ما للخروج من عنق الزجاجة في علاقتهما.

الإمارات واضحة تماماً في توجهاتها ودعمها لاستراتيجية الاستقرار والازدهار، وهي غير معنية بإيصال الأمر إلى مرحلة الصراع العسكري، وذلك كونها تدرك أن الحرب في المنطقة هي العدو الأول لنموذجها التنموي الذي بنته خلال الخمسة عقود الماضية، وخطابها السياسي لم يكُن يوماً تصعيدياً بمعنى الدفع نحو الدخول في نزاع مسلح، حيث تقوم سياستها منذ أكثر من عام على التواصل والحوار ومد الجسور في استراتيجية قائمة على فكرة تعظيم المشتركات والعمل على إدارة الخلافات عبر بناء الثقة وتعزيز الفوائد المتبادلة التي تجعل من أي دولة تفكر جدياً قبل التصعيد.

سلطنة عُمان وقطر موقفهما ليس بخاف على أحد، وعلاقتهما قوية مع النظام الإيراني وإن كان كل منهما له توجهه وأهدافه من هذه العلاقة، وتبقى البحرين والتي لن تكون استثناء عن بقية دول الخليج رغم أنها الأكثر تضرراً من السياسة الإيرانية، إلا أن واقعها السياسي والجغرافي والاقتصادي يحتم عليها أن تبقى ضمن الفلك الخليجي وخاصة السعودي.

وعلى الطرف الأخر فإن مصر والأردن ليستا رأس حربة في المسألة الإيرانية وإن كان الأردن حالياً يعاني من "حرب المخدرات" التي تديرها المليشيات الإيرانية على حدوده الشمالية، إلا أن عمان والقاهرة في النهاية لن تخرجا عن واقع دعم دول الخليج العربي كموقف تقليدي ومبدئي يستند إلى عمق العلاقات التي تربطهما بالتكتل الخليجي.

وفي هذه الحالة لم يبقى سوى تل أبيب وطهران، فالأولى أكثر العواصم دفعاً تجاه تشكيل ناتو شرق أوسطي موجه ضد إيران لعدة أسباب أولها عدم قبولها بأي حال من الأحوال وصول إيران إلى مرحلة حيازة السلاح النووي، والثانية التشبيك عسكرياً وأمنياً مع الدول العربية الأمر الذي يعني توسيع قاعدة اتفاقات السلام، فيما إيران ستكون الطرف المتأثر من أي حلف موجه ضدها وستحاول بكل ما تستطيع تفويت الفرصة على إسرائيل لتنفيذ فكرة الحلف على أرض الواقع.

وانطلاقاً من كل ذلك فإن فكرة إنشاء حلف شرق أوسطي موجه بشكل واضح ضد إيران فكرة ليست منطقية وهذا ليس وقتها خاصة إذا في ظل مواقف الدول المعنية بالقضية، ورغم الأوراق التي قد تلعب بها واشنطن للضغط على بعض الدول للانضمام للحلف في حال تبلور المشروع وتم طرحه بشكل كامل على طاولة قمة بايدن مع الدول العربية في جدة إلا أن الواقع الجيوسياسي وتوجهات الدول الخليجية والعربية لا يرتقي إلى مرحلة التفكير بالانضمام لحلف هجومي ضد أي دولة.

ما سيحدث -في حال عدم قيام إسرائيل أو إيران بخطوة قد تفجر المنطقة- سيبقى في حدود التحالفات الدفاعية في أحسن الأحوال، هذا إن لم تتقلص الفكرة إلى مرحلة الحديث عن التعاون والتفاهم الأمني والعسكري بين دول المنطقة، فالحلف كما يروج له لا يعدو كونه مشروعاً هلامياً غير قابل للتطبيق.

بالمحصلة فإن لا أحد يريد الحرب، والغالبية مدركة أن الصراع سيأكل الأخضر واليابس، وأن المنطقة رغم أن تربتها خصبة للصراعات والنزاعات إلا أن العقل والحكمة يبدو أنهما تسيطران على الموقف في هذه الفترة، وتبقى الأمور مفتوحة على كافة الاحتمالات فالحروب لم تُكن يوماً منطقية من حيث المبدأ.