قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

لم تكن تعلم أنَّها ستقف أمام مرآتها لتعود ما حاولت طمسَه من آلام عاشتها لسنوات...
مرّت سنوات، سنوات كانت إليها قرونًا وسنين ضوئية، اختبرت فيها قهر الروح، وتحدّي الوجع، ودفن الدمعة، وإخراس لوعة الشوق، وإخماد صهيل الحنين لتتمكَّن من أنْ تمضي قُدُمًا... مِنْ أنْ تعود الحياة التي حاول آخر سلبها منها، مِنْ أنْ تعود إنسانيتها التي حاول آخرٌ إفناءها...

وقفت أمام المرآة كما وقفت انتصارًا لكرامتها ووجودها وحياتها، متحدِّيَةً براكين الكراهية التي حاولت طمسَها بأنهار حِمَمِها ودخانها المنبعث حتى جهنَّم، فلا سوادَ دُخانٍ يبلُغُ السماء!
وقفت وقد أزاحت الستارة التي أرادت إغلاقها على الجروح التي عولجت بالملح يُجرشُ عليها ولا آه تخرجُ منها، أزاحت الستارة فانسابت الأحداث في ذاكرتها كفيلم تشاهده في إحدى دور العرض المشهورة، وكأنَّها لم تكن هي بطلته المشؤومة!

يومها، كانت الأشياء مزدانة بالورود الزهرية والوعود الدافئة؛ ولبراءتها أو لعلها سذاجتها، انساقت خلف العسل الذي لم تُدرك أنَّ بريقه كانَ مغلَّفًا بالزيف، وحلاوته محشوة بالسُّم، وعلاجه ممزوج بالكيد... وكالفراشة المنجذبة إلى نور قاتلها، انساقت إلى مصيرها راسمَةً أجمل اللوحات وساطرة أجمل الآتي...
ومرَّتِ اللحظة... وجاءت اللحظة التي حُبِسَ الهواء عن صدرها، صودر إلى حيث لا مكان، وكأنَه تحامل عليها مع رواسب الآلام ليخنق فيها ما تبقَّى من بريق الحياة... وبلهفة الجنين المتوثِّب للخروج عند الولادة، رفعت يدها لتضرب براحتها صدرها علَّها تشقُّهُ فيدخل الهواء من دون وسيط...ضربت عدَّة مرَّات لكنَّ الضيق لم يهجرها... شهقت ثم صرخت «يا الله!»... لم تُكمل الجملة لأنَّه يعلم ما تريد قوله من دون النطق به، فهو لم يتركها وطالما أرسل إليها علامات ليقول لها أنَّه يعتني بها... ثمَّ ركضت...

ركضت وكأَنَّها تريد أنْ تسابق الرياح، أنْ تتحدّى كلَّ العواصف وترانيمها الغاضبة الهوجاء...وقفت في وسط الطريق وقد عاجلها المطر، مسحت على جبتها بيدها، ثمَّ ببطء أنزلتها إلى حيث ينبض قلبها لتهدِّئ روعه فلا يهربُ منها... وصرخت... واختنقت الـ«آه!!!» ضاعت بين زخات المطر...
ابتلَّ شعرها، وأرَّقَ عذابها أصداءُ عويلٍ وعواءٌ وسياطٌ... تلفَّتت حولها، مذعورة خائفةً تائهةً عن كلِّ اللحظات، وإذا بها عند فيء صخرتها، حيث كان للحجر أمان لا يعرفه بشر...

ارتمت في حضن صخرتها تلتفُّ على نفسها كما في رحم أمِّها، تحضن رأسها بكلتا يديها، وتضغطُ عليهما... ألا يكفي ما عانته لسنوات؟ وكأنَّها أرادت أنْ تُخرس كل الأصوات التي كانت تزعق لتخيفها، لتسرق أمانها، وأحلامها، وراحتها، وكلَّ لحظة من لحظات أيامها، ولترميها في سجنٍ من اللا ثقة، والرُّعب الذي تبدّى فراغًا ينهش داخلها، ويوطِّنُ القلق في جفنيها، ويهجِّر الكرى مِن عينيها...

ضغطت بكلتا يديها وحبست صُورَ يوم القيامة في صدرها عن الآه التي كادتْ أنْ تخرج مُثقلةً بما مرَّ عليها... لم تعد تحتمل، ولا تريد إعادة الزمان واستحضار الأمكنة والأشخاص والمواقف... لا تريد أنْ تظلَّ حبيسة هذه الدوامة السوداء المستبدة... دوامة أشبه بنقطة ماء تنهال على رأسها بوتيرة مُسبقة الضبط مِن دون توقّف... ألمُ ما خلَّفَتْ هذه النقطةُ جعلها تصرخ من جديد... صرخة مزَّقت السماء وصدّعت الكون وزعزعت صلاة الملائكة... فما كان منه كلُّ شيء حي، استحال بنمطه ووتيرته إلى سبب للموت ودافع في سبيله...

ثمَّ اختنق الصوت...فرفعت ببصرها ناحية السماء لتنظر إذا كانت لا تزال هنا... اختنق الصوت وأعاق حجابٌ من حبال مطر أسود أشعة الشمس مِن محاكاة عينيها؛ مطر أسود استقى من عينيها مياهه فأجراها من الغيم يروي بها الأرض... وعندها أحسَّت وكأنَّ خط النهاية قد اقترب...


... قفزت مندفعة نحو خطٍ طالما تحاشته... وما إنْ لامستْهُ حتى كانت يدُ الفجر الجديد ربّما قد أمسكتها من يديها وسمَّرتها في مكانها... اندفع جسدها بتخبّط باتجاهات عدّة في حرب بين قوة الدفع التي ترتأي بها خلاصًا من عذابها وبين اليد الرادعة... ومرّة جديدة، في جزء من هنيهة عادت إلى عينيها مشاهد جلوسها لساعات طوال على حافة النافذة في ما كانت تعتبره منزلها وفيئها، متعالية على خوفها من المرتفعات بخوف أكبر منه، ويأس، وموتٍ كان قد استقرَّ في أعماق روحها قبل أنْ يُترجم انهيارًا في أعصابها وهُزالاً في جسدها... ساعات وهي تفكر بالخلاص الذي يمكن لاختلال توازنها أنْ يؤمنه لها، وعذاب ضمير آتٍ بصوت طفل صغير لمّا يبلغ السنتين بعد يقول «ماما»... كيف يمكن لها أن تكتب خلاصها بتركه وحده؟... وجوده كان هو اليد التي كانت تمتد طوال أيام لتبعدها عن النافذة، وتلقيها على الأرض تفرشها بدموعها ونظراتها التائهة في الأرض، وهو في حضنها، تقبّله وتردد على سمعه وهي تغني ترنيمته المفضلة «أنا أحبك!»...

تراجعت خطوتين إلى الوراء... تلفَّتت لتعود المرآة وتسألها إيقاظ ألامها، ولياليها التي قضتها تروي مخدّتها ولا يزورها النوم... سنوات مرّت لا تعرف اليوم كيف، لعلَّه القدرُ الذي يطيب للناس أنْ يعللوا نوائبهم به...
«آلامك لم تصمت يومًا» أسرّت لها المرآة... «أنتِ أخفضتِ صوتها في أعماقك، لكنَّ صوتها لم يسكنْ قط... وأنا لم أوقظ ما لم ينمْ أصلاً...»

قبضت على راحتها بكل قوّة، وضربت بقبضتها على صدرها لتعترض... لتناقش... لترفض... فقاطعتها المرآة مستعجلة ردَّها: «لا تنفي ما هو ثابت ومرآه في من يُحسن الغوص في سواد عينيك... ألمك لم ينم ولم يمت، لا يزال حيًا على حالته الأولى... لم تأسفي يومًا على ما سُرق من عمرك من سنوات قضيتها في تقلّبٍ بين جمر وجمر، ونار ونار، وعذاب وعذاب... وأنتِ اليوم لا تتألمين ألمك الماضي، بل هو لوعة فراق من إليهم تشتاقين... شوقٌ يكوي أكثر من نار، ويدمي أكثر من نصل سيف مسنون، ويسترقُّ الروح إلى أنْ يكون اللقاء...!»

«هو الشوق نعم... الشوق لرائحتهم، لكلامهم، لتفاصيل يومهم، لما يصنعونه من فوضى، لأغانيهم، لرسومهم... الشوق لدفء حضني عندما يركنون إليه، وراحة قلبي عندما يضمهم بيديه، ودعة نومي عندما يتقاسمون معي المخدة... الرحيل لم يكن قرارًا اتخذته بل كان قرارًا فُرض عليَّ!... لن أنسى كيف طلب منّي الرحيل وأصرَّ عليه... لم يكن أمامي باب يتسرَّب منه شعاع ولو خجول من نور... وعندما أصبحت شبه إنسانة، وصار من يجب أنْ يكون لي جناحًا يحميني موتًا ودمارًا، طلبتُ الانفصال... وحتى تاريخ إمساكي بالقلم كان يكفي كلمة اعتذار لنفتح صفحة جديدة... أبى الاعتذار... أبى الاعتراف بنصيبه من الخطأ... وكيف أأمن شرّ مَن كان مُنكرًا لأخطائه وزلاّته وإساءاته؟...»

وهبط الظلام، تسلل بين خافت النور، بين الغيم الباكي فوق الجبال، بين الصخور، فوق جرف الصخرة التي كانت تحميها. كان الظلام محاكاة لما استقرّ في قلبها من محاولات الكي الفاشلة! يُقال بأنَّ آخر الدواء الكيّ، والكيُّ لم ينفع، فما عساه يكون الدواء؟؟؟
ولكن، كيف الدواء ولا اعتراف بالداء مِن شبح الخوف الرابض في غياهب المرآة؟؟؟


...هبط الظلام وهي لا تزال سكرى بخمرة الآلام، تتناتش روحها وما فيها مِن أعماق... وإذا بنداء خافتٍ يهبط مِن السماء، مِن بين النجوم الكامنة خلف الأكوان وفي أسرار الوجود، يُسرُّ لها أنَّ الورد وإنْ غادر حقلَه لا تزال جُذوره فيه، وأرضه التي أنبتته قادرة على إعادة إحيائه إذا ما أراد القاطِفُ المُضيفُ أنْ يحكمَ على الورد بالعطش، بالأرق، بالتعب، بالنبذ، بالزوال... جذوره قادرة على إعادة اِحتوائه ومدِّه بينبوع الحياة، وأرضه قادرة على إعادة سقيِه وإنعاشه وعلاجه وإحيائه حتى يضوع عطره من جديد، ويعود له في البتلات البريق، وبرجع لمداعبة القمر، ونظم الشعر، ونسج النثر، وخطَّ الأناشيد، والتحليق حيث لا حدود، لا أفقَ، لا مغيب...

كان هذا النداء لها بمثابة يقظة فصلت بينها وبين المرآة... فتركت في المرآة آلامها، وأشباح ماضٍ أرادها خارج أسواره، فاقتلعها مِن دارها، وكسَّر أغصانها، واحتجز ثمارها، ودفعها في طريق الرحيل حتى بدا كأنَّه فعل إرادة واختيار، معلنًا عند التوقيع الأخير بأنَّها ستذبل بعد قليل، وسيفوح من الورد آخر رمق على طريق المسيح...

تركت في المرآة آلامها والتفت إلى حيث النداء، فكان ما لم يكن في الحسبان... أليست هذه شموس أنبتَها الألم والعزمُ رفعهَا إلى علاه؟! شموس أضاءت ليلها من دون أن تدري أنَّها كانت لها مواكبة، تسأل عنها الرحْل ومَنْ مرَّ ومَن صَدق، ترقُبها مِن بعيد لأنَّ الدروب بينهما قُطِّعتْ... شموس تعتقدُ أنَّها نُسيت، وهُجرت، وتُركت، والحقُّ أنَّ البُعدَ كان نارًا تصلى الحديد، وصونًا للشموس وابتعادًا بها عن كلِّ مُحتسبٍ رذيل...

عندها، لامست بكفها صخرتها، وودَّعت بنظرة مرآتها، وانطلقت في ترانيم الدُّجى تبحثُ عن فجر جديد... لم تضع الماضي جانبًا، ولكنها أبت إلاَّ أنْ تنتصر لما بقي فيها من رمق أخير، تُعيد رتْقَهُ وتوليده وتعزيزه وإحياؤه ليخط في الصفحات سطرًا جديدًا، ويرسمَ أفقًا جديدًا، قادرًا على احتضان الشموس إذا أرادت إلى هذا الأفق الإياب، وسماعِ الأسباب قبل الحكم بالهجر أو بالوصال...

انطلقت بعد أنْ أقفلتْ على هذا الماضي بتفاصيله في مرآب، في أعماق النفس حيث يضيعُ المفتاح، ولم تترك من تفاصيله إلاَّ الشموس في علياء السماء ترقُبُ علياءً جديدة، وتلاحقُ أحلامَها، وتختار ألوانها وأيامها...
انطلقتْ حتى وصلت إلى مفترق طريق، عند الشير فوق ذلك النهر الهادر في أسفل الوادي، حيث السنديانة العتيقة، والهواء الذي يُحيي ولا يُميت... جلست على صخرة، أخذت مِن نبات الطيون بلسمًا لجراحها، وشكّلت الدلغانَ دواءً لروحها، وصنعَتْ بندرًا للكلمات ترسو عنده مطمئنة، ورشفتْ مِن عليل الهواء أنفاسًا صارت تدخلُ صدرَها للمرة الأولى، تملأه فيُسمعُ النبضُ كأنَّه للمرة الأولى حُرٌّ، طليقٌ، كيانٌ تام، إنسانٌ لا شبه إنسان...

وبين جنون ما في ذاتها من بقايا طفولية، وبعد دفنِ لكلِّ أوقات الألم، صارت تخطو خطواتها الأولى نحو أناها التي غُرِّبت فاغتربَتْ، وتزحفُ بشفتيها كاللص تسرقُ ابتسامة، حتى قال كلُّ ناظرٍ إنَّها ترتاح مِن عناء الطريق سعيدةً وقد أخذهم منها المظهر؛ ومع ذلك لم تغضب، أو تعتب، أو تزعل، فالناس عبيد للشكلِ لا سيَّما في مثل هذا المرتع...
سعيدة هي غير السعادة التي يعتقدون، إذ إنَّهم لم يحددوا لهذه السعادة المفهوم، ولا المعنى، ولا الحدود... والسعادة لها ابتسامة موعودة بالنذور، تبتسم كلّما لاحَ لها طيفُ نور، بريق شعاعٍ يحضنُ الشموس في الذاكرة كوجود الإله؛ وتنتظر... فليس غير الصبر لها سلاح ونصير...