قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

كما لا يغيبُ عن بال متابع أحوال الأمم التصورُ بأن الأسس المتينة للماضي هي الأرضية التي تُبنى عليها صروح الحاضر في المجتمعات والدول التي انطلق فيها قطار تقدمها الحضاري للأمام، بالمقابل عليه أن يدرك جيداً بأن المجتمعات المتقهقرة والتي تكون وجهتها للخلف والسلطات فيها قائمة على ركائز الجبر والإكراه، فاليوم الأسحم فيها هو امتدادٌ طبيعي لأمسها القاتم.
وما تعرض له طاقم "تلفزيون سوريا" وخاصةً المراسل هادي طاطين والمصور خالد الهبل (خالد أبو الهدى) يوم الاثنين في 3/10/2021، من الاعتداء ركلاً وإهانةً مِن قِبل أحد قادة الفصائل المسلحة في منطقة عفرين شمال غربي سوريا، وكيف أنه لمجرد قيام الصحفي لأسبابٍ طارئة بتجاوز ذلك القيادي المتغطرس حتى انهال عليه ضرباً وشتماً مهدداً إيّاه بالقتل؛ يُعيدنا الحدثُ المقيت إلى صفحات التاريخ وما أورده الثعالبي في "لطائف المعارف" عن بدايات انتشار ثقافة التسلط في الإسلام حيث يقول: "أوَّل ما ظهر من الظلم في أمّة محمد قولهم تنح عن الطريق، يقصد إخلاء الطريق وإيقاف الحركة عند مرور المسؤولين" والأمر الذي ينبغي التوقف عنده هو أن المراسل لم يتحمل غلاظة أمثال هؤلاء المتعجرفين خمس دقائق فحسب، فماذا إذن عن وضع الأهالي مع هذه النمر المريضة المتسلطة على رقاب سكان المنطقة منذ عام 2018؟
كما أعادني حدثُ الأمس إلى عام 2013 حيث كنتُ مع زميلٍ لي يعمل في جمعية إغاثية نمر بالقرب من حاجزٍ تابع لفصيلٍ اسمه "شهداء بدر" في حي مساكن الشباب بالأشرفية في مدينة حلب، فتوقفتُ حينها برهةً وأنا أتأمل منظر عناصر ذلك الحاجز، فقال الزميل أين شردت؟ قلتُ له: أخذني مشهد هؤلاء الأنفار الذين يسمون أنفسهم ثواراً إلى عام 1991، قال كيف لم أفهم؟ قلتُ أشكالهم وتصرفاتهم تذكرني بشبيحة فواز الأسد ومنذر الأسد في مدن الساحل السوري.
على كل حال فالاعتداء الأخير على كادر تلفزيون سوريا هو ليس استثناء إنما هو شبه قاعدة ممارساتية لدى الكثير من هذه النماذج التي تم إطلاق يدها في المنطقة، وهي استمرار لما قام به أقران هذا المهيمن في حلب عام 2013 والذي كان من أحد أسبابه نفور أهل المدينة من الكتائب برمتها، وبالمجمل فهذه الممارسات هي امتداد لنهج العسف والطغيان الذي يقوم به جلاوزة النظام.
ويبقى الموجع بالنسبة للسوريين هو أنه بعد تقديم عشرات الآلاف من الشهداء، وبعد اعتقال واختفاء عشرات الآلاف، وتهجير نصف سكان البلد لم يُقدم هؤلاء العسكر المناهضين للنظام ولو في أصغر قرية تجربة واحدة جديرة بالتقدير والثناء، وهذه النقطة بالتحديد كان قد أشار إلى إليها نائب رئيس الائتلاف الوطني السوري عبد الحكيم بشار في مقالة له تحت عنوان (قطار إعادة تأهيل النظام السوري المتسارع) حيث قال: مع وجود أربع إدارات في سورية "فإن إدارة منطقة المعارضة ليست أحسن من سواها، إن لم تكن بالعكس، وليست النموذج الذي ثار من أجله السوريون وسانده المجتمع الدولي، وليست النموذج الذي يمكن أن يراه المجتمع الدولي بديلاً للنظام"، وحيث يعرف كل سوري بأن أحد أهم أسباب اندلاع الثورة كانت الممارسات التعسفية للأجهزة الأمنية للدولة، ولكن بعد 10 سنوات وبدلاً من التخلص من كل إرث القمع والتسلط والجور والطغيان الذي ثار عليه الشعب السوري، خلق بعض المتجبرين بدائل هي حسب الأهالي أكثر قبحاً من كل مَن حَكم المنطقة منذ تاريخ الوحدة بين مصر وسورية، ووفق إفادات العشرات من أبناء المنطقة أن ممارساتهم مع المدنيين وخاصة مع السكان الأصليين هي أردأ من تصرفات الأجهزة الأمنية التي ثاروا عليها في 2011.
وفي هذا الخصوص يسرد أحد المقيمين في منطقة عفرين ممن لم يغادرها، رغم كل الصعوبات التي اعترضت سبيله إبان تبعية المنطقة للنظام، ومن ثم استلام حزب الاتحاد الديمقراطي حكم المنطقة، ومن ثم خضوعها للسلطة الفصائلية التي رافقها انتشار قطاع الطرق والمافيات المسلحة في عموم قرى المنطقة وبلداتها، قائلاً بأنه قبيل عام 2012 كان يحلم بشرائط وبالونات الحرية ترفرف في سماء سورية ومنطقته ضمناً، ويحلم بأعراس الديمقراطية، ويحلم بمشاريع التنمية وهي تعم المنطقة، يحلم بالازدهار وقد زنّر خصور جبال المنطقة وروابيها، إلاَّ أنه بعد 18 آذار 2018 لم يعد يجد إلاّ الكوابيس في أحلامه الليلية، وصار أبهى حلم لديه هو أن يأوي إلى فراشه ولا تداهمه المافيات في الليل، وأن لا ينهض في الفجر وقد قطع الهمج كل أشجاره المثمرة، وأن يستيقظ في الصباح ويرى نفسه في فراشه وليس في معتقلٍ بائس لدى إحدى الأمنيات المنتشرة كالفطر في المنطقة؛ وهذا المناخ الكابوسي الذي يشكو منه سكان منطقة عفرين منذ أربع سنوات يأخذنا إلى دولة الهند إبان خضوعها لحكم الإنكليز، إذ حيال ذلك الأمر كتب إميل سيوران: "في أحد أقاليم الهند النائية يُفسَّرُ كل شيء عن طريق الأحلام، والأهم في ذلك أن الأحلام تُستخدم لعلاج الأمراض، هكذا على حد قولهم كانت تُدار الأعمال اليومية، إلى أن وصل الإنجليز، حينها قال أحدُ السكان: منذ وصولهم لم نعد نحلم"!